الرئيسية / اقتصادوفوبيا / نومة أهل الكهف لصرّافاته .. الملكُ غدا لله وللعقاري .. !!

نومة أهل الكهف لصرّافاته .. الملكُ غدا لله وللعقاري .. !!

سينسيريا- علي محمود جديد

 

كنتُ بالأمس الخميس كمن على رأسه الطير، وأنا أتنقّل من صرافٍ عقاري إلى صرّافٍ عقاري آخر في دمشق، علّني أعثر على صرّافٍ واحدٍ يستجيب ويتفضّل بالقبول بأن أتسوّل منه راتبي أو جزءاً منه، باعتباره موطّن فيه .. وبئس التوطين ..! ولكن معاذ الله، فكل الصرافات العقارية نائمة نومة أهل الكهف، أو خارج الخدمة، أو أنها تعمل وشاشتها مُضاءة لتزيدنا تشنجاً وغضباً وإحباطاً .. لأنها لا تستجيب .. !
بدأتُ مشواري عند الساعة السادسة مساء الخميس من صرّاف جريدة الثورة، شاشته مضاءة وتقول عدة أشياء، من بينها : ( ادخل بطاقتك ) صدّقته وأدخلتها .. وإذ به يجفل وكأنني ضربته كف .. وقذف البطاقة من داخل جوفه وقال : اسحب بطاقتك .. !! فقلتُ له : ألله لا يعطيك العافية على هالسحبة ..
لملمتُ ذيول خيبتي وحملت حقائبي حيث كنت اشتريت بعض الاحتياجات ولم يبقَ معي سوى أقل من ألفي ليرة، ولا بدّ من بعض الأموال الاحتياطية لا سيما وأننا قادمون على تعطيل ثلاثة أيام متوالية ( جمعة سبت أحد ) بمناسبة عيد رأس السنة الهجرية، فاتجهت مشياً على الأقدام من دوّار كفرسوسة باتجاه البرامكة، فهناك مجموعة صرافات عند مدخل رئاسة جامعة دمشق، وبالجهة المقابلة بالقرب من المصرف العقاري – فرع الجامعة، صرافين آخرين، وقلتُ بالتأكيد سأجد إحداهما يعمل، وصلتُ وقد أنهكني التعب من المشي، ومن حمل تلك الأغراض، ولكن قلتُ لا بأس ففي البرامكة سيكون الحل ومنها أستقلُّ سيارة أجرة إلى الكراجات، لأمتطي بعدها السرفيس المنتظر في الكراج وصولاً إلى البيت في مدينة عدرا العمالية.
وصلتُ إلى مجموعة الصرافات في البرامكة، وكانت وجوه الناس من حولها مكفهرّة، ويؤشرون بأياديهم إشارات توحي – قبل أن أصل إليهم – بحالة من الإحباط والاستنكار، وصلت فسمعت عدة عبارات من عدة أشخاص وسيدات يقولون : ( ما فيه ما فيه – عطلان – ما فيه مصاري – خارج الخدمة … ) قال شخص لآخر : لو نذهب إلى الصرّاف الذي عند المحافظة سيكون مفعلاً بالتأكيد لأنه بجوار أحد فروع البنك .. فردّ عليه آخر : الآن كنت هناك .. الصرّافان اللذان بجوار ذلك الفرع خارج الخدمة، لا تعذّب حالك .
وكان هناك صبايا وسيدات يُخيّمُ عليهنّ الغبنُ والإزعاج الشديد، ومن الواضح أنهنّ مثلنا يشعرن بحالة من الإحباط لفشل جميع الخطط المرسومة، وحالة الحاجة الماسّة للمال المملوك .. والمفقود معاً .. فالملك غدا لله .. وللمصرف العقاري ..!
والآن يا إلهي ماذا أفعل ..؟! لا بدّ من العثور على صرّاف فعّال .. ولكن كيف وأين ..؟؟ لابدّ من البحث سيراً على الأقدام، فلا أجرؤ على التورّط بطلب سيارة أجرة تنقلني من صرّاف إلى آخر في أماكنهم المتباعدة، فكل ما بجيبي من أموال لا يكفي للتنقل بين ثلاثة صرافات، وقد لا أفوز بواحد فعّال فأخسر كل ما معي، وأقع مع السائق بمشكلة حقيقية .. منّك لله يا عقاري .. !
عتلتُ حقيبتي وحوائجي، ومشيتُ على جسر الرئيس باتجاه صرّافات المحافظة، وأنا أقول في نفسي : لا يمكن للعقاري أن يفعلها، فلا بدّ أن يقوم بعد حين بتغذية صرافاته القريبة من إدارته العامة وفروعه بالمال، فهو يحترم نفسه ولن يقبل أن يدع الناس هكذا عشيّة عطلة لثلاثة أيام متتالية.
كنتُ أقول ذلك .. وشيء ما في نفسي أسمعه يقول : يا علي .. لن تستفيد شيئاً، فالصرافات خاوية .. ولكنني ما كنتُ أكترث بهذا الهاجس، وتابعتُ السير بلا تردد، وتذكّرت أنّ صرّاف الفرع التعاوني العقاري في مبنى دار المهندسين لم يأتِ أحد على ذكره، ولا بدّ أن يكون مليئاً بالمال، وهو على طريقي باتجاه المحافظة.
كنت وصلت في هذه الأثناء إلى الجانب الخلفي من فندق الفورسيزنز وتفاجأت بأن هذا الجانب كان مُغطى بستار شفّاف، بدا الفندق من خلف الستار مهدّماً من الجهة الخلفيّة، وكأنّ هناك إعادة لمخططاته بشكلٍ آخر، أو حالة من الترميم الجديد، والملفت أن الستار الشفاف عليه لوحات أثرية هامة كقلعة حلب .. ونواعير حماه .. وجسر دير الزور المعلّق في عزّ زمانه، وليس كما هو مُحطّم الآن، وما إلى ذلك من المعالم العديدة .. فلربما سينقلب بمداخله الخلفية إلى أشكالٍ عمرانية تمثّل هذه الرموز الأثرية، في الحقيقة لا أدري، ولم أكن فاضي البال حتى أبادر وأسأل أحداً عن هذا الأمر، فمشكلتي مع الصرّافات يجب أن أحلّها قبل أي شيء آخر، فتابعت مسيري بمحاذاة الطرف الغربي لمدرسة التجهيز العريقة، صاعداً نحو مبنى وزارة الصناعة، ومن أمام الوزارة أطلّ عليّ صرّاف الفرع التعاوني في آخر زاويةٍ لدار المهندسين، لا أحد يبدو أمامه ولا من حوله، فهو بالتأكيد سيكون مُشبعاً بالمال، فقد اقتربت المشكلة من الحل، أم أنه خارج الخدمة ولا من أحدٍ حوله ..؟! لا لا .. إنه بالخدمة حتماً – راحت تقول لي هواجسي – ولكن ثمة هواجس أخرى تتحدّث معي أيضاً، وكانت تُصر بكل غلاظة أنه خارج الخدمة، فزجرتها وأبعدتها عن ساحة الحوار إلى أن وصلتُ إليه، وكان كما توقعتُ تماماً .. مليء بالمال بكل تأكيد، ولكنه مُطفأ .. شاشة سوداء وهناك كابل كهربائي يتدلّى من جانبه الغربي، ما يعني بوضوح لو أنّ الشاشة تشتغل .. ولو أنّ الكابل موصول في مكانه لكانت المشكلة قد انتهت .. !!
تابعتُ المسير من أمام هذا الصرّاف بلا توقف، وهواجسي راحت تُطلق كلماتٍ تخصُّ المصرف العقاري أخجلُ من كتابتها ونشرها، رغم أنها في محلّها .. وقلتُ سأتجه نحو الإدارة العامة للمصرف العقاري، فهناك قاعة طويلة عريضة فيها العديد من الصرّافات ولا بدّ أن أجدَ حلاً هنا للمشكلة ..
وصلتُ أمام وزارة الأشغال العامة والإسكان في بوابة الصالحية، ونظرتُ – وأنا أمشي – باتجاه الصرافان الملاصقان للفرع القريب من المحافظة، فهما في غرفة زجاجية تظهر الحركة من حولهما إلى المكان الذي أنا فيه، لم يكن هناك أي حركة، والغرفة تبدو مظلمة، وكنتُ قد تلقيتُ في البرامكة خبر وجود الصرافين خارج الخدمة، فتابعت سيري نحو الإدارة العامة للمصرف العقاري، حيث تلك الصالة التي ستُنقذني وفيها العديد من الصرافات .. وصلتُ إليها وإذ بها مغلقة، لا هابوب فيها .. ولا دابوب حولها .. !!
لا بأسَ لا بأس .. فهنا إلى الوراء قليلاً في شارع البرلمان وباتجاه مجلس الشعب، العديد من الصرافات على الرصيف .. بعد وزارة الاقتصاد بقليل، ولا بدّ لهذه الصرافات أن تكون مُفعّلة ومليئة بالمال احتراماً لمجلس الشعب .. أو لوزارة الاقتصاد .. أو على الأقل احتراماً من المصرف العقاري لنفسه فهي ملاصقة له إلى حدّ بعيد .
اتجهتُ نحوها متفائلا .. وصلت .. وإذ بالصرّافات كلها تُطفطف بأضوائها مكان إدخال البطاقة، وكأنها تقول : تعالوا .. أنا بخدمتكم فهذا بالعادة دليل على جاهزية الصرّاف فعلاً، كما أنّ الشاشة تعطي بياناتها بشكلٍ صحيح وسليم .. كإدخل البطاقة .. والذي منه .. أدخلتُ البطاقة .. فطلب الصراف تحديد اللغة .. فحدّدتُ العربية .. ثم طلب تحديد نوع الحساب .. فحدّدته .. ليطلب بعد ذلك نوع الخدمة .. فطلبتُ خدمة سحب مبلغ .. يا إلهي ها هو يطلب مني حجم المبلغ المطلوب .. لم أتردّد بتحديد حجم المبلغ .. راح الصراف يُطقطق .. وعشتُ ثوانٍ بأمل الحصول على المبلغ .. وإذ به يلفظ لي البطاقة ويقول على الشاشة : عذراً هناك مشكلة في الصراف .. !!!
ولست أدري لماذا الصراف يتهم نفسه بأن فيه مشكلة .. والمشكلة هي في الحقيقة بإدارة المصرف العقاري التي تبدو شديدة الضحالة فلا تهتم بمصالح الناس ولا بمشاعرهم وهمومهم .. ولا حتى بمصلحتها معنا كزبائن لها، إنها تصرفات بمنتهى اللامسؤولية للمصرف العقاري، وعدم التقدير والعجز عن الاكتراث بواجباته .. بل وبأقلّ ما يمكن من الواجبات.
نحن نتفهّم بأن هناك مشكلات في الصرافات وقطع التبديل … و .. و .. وما إلى ذلك .. ولكن هذه الحالة شديدة التخلف وقلة الضمير والمسؤولية التي زجّنا بها المصرف العقاري يوم الخميس لا علاقة لها بقطع التبديل، وهي على علاقة مباشرة بسوء الإدارة وعدم الاهتمام بتغذية الصرافات بالسيولة الكافية ..
أما شبعتم من رشاويكم وفسادكم بعد ..؟!! لا تخافوا .. فإن غذّيتم الصرافات بالأموال لن تجدوا عائقاً أمام مسيرة فسادكم التي صارت أكثر من مفضوحة .. ولا أدري لماذا يسكتون عليكم ..؟؟ !!

اقرأ أيضا

إصلاح القطاع العام الاقتصادي معركة جديدة والربان واحد…فهل تنجح الحكومة في حلحلة عقده وإنقاذه فعلا؟!

سينسيريا-علي محمود جديد

ArabicDutchEnglishFrenchGermanItalianPersianRussianSpanish