الشريط الاقتصادي
الرئيسية / اقتصادوفوبيا / نهاية سعيدة في خزائن “المركزي” لرحلة البحث عن الخمسين ليرة …فمتى يفرح “ربان المصارف” باعة النعناع؟!

نهاية سعيدة في خزائن “المركزي” لرحلة البحث عن الخمسين ليرة …فمتى يفرح “ربان المصارف” باعة النعناع؟!

سينسيريا – علي محمود جديد


وضع مصرف سورية المركزي فئة الخمسين ليرة المعدنية في التداول، ولكنها ما تزال وكأنها غير متداولة، فلا نجدها عند تاجر، ولا مع سائق سرفيس، أو سائق نقل داخلي، والذين أغلبهم أجور السفرة معهم خمسين ليرة في دمشق، فكلما صعدنا مع واحد منهم نتهيّأ للومٍ شديد، وانتقادٍ لاذع، بل وصراخٍ وغضبٍ أحياناً إن لم نكن قد أخذنا بالحسبان وجود خمسين ليرة لإعطائها للسائقين، ولم نعد نعلم من أين سنأتي بالخمسين ليرة..؟ فأينما تسوّقنا، وبقي لنا خمسين مع التاجر نفرح لأننا سننجو من لذاعة السائقين في سفرةٍ قادمة، ولكن الفرحة لا تطول، فسرعان ما يقول لنا التاجر بأنه لا يمتلك أي خمسين، ويحل الموضوع بزيادة أو إنقاص الوزن بمقدار الخمسين، ليستريح من هذه المشكلة، وأحياناً يعطينا بسكوتة أو علكة بالخمسين أو أي شيء آخر، حتى في الصيدليّات، فالكثير من الصيادلة يكملون لنا الخمسين الباقية بعدة حبات من السيتامول، أو بقطع من البلاستر الطبي، وتبقى المشكلة قائمة بغياب هذه الخمسين المعدنية، وكأنك يا زيد ما غزيت..!
الغريب أنّ مصرف سورية المركزي، ومنذ الشهر العاشر ( تشرين الأول ) من عام 2018 الماضي، أعلن عن نيّته بطرح الخمسين ليرة المعدنية في التداول نهاية العام، وقال في بيانٍ له بتاريخ 24 / 10 / 2018م أنه يعتزم طرح فئة 50 ل.س المعدنية في التداول مع نهاية العام الحالي بعد استكمال الإجراءات الخاصة بهذا الموضوع كافةً، وتأتي عملية طرح فئة الـ50 ل.س المعدنية في إطار حرص المصرف – حسب البيان – على توفير فئات نقدية بحالة جيدة بالنسبة للفئات التي تتمتع بسرعة دوران مرتفعة تلبي حاجة الأخوة المواطنين.
ولم يطل الأمر كثيراً، ولكن كاد العام أن ينقضي قبل أن تُطرح هذه الخمسين المعدنية في التداول، ويبدو أنّ المصرف المركزي استشعر هذا الأمر، ووجد ضرورة الوفاء بوعده، ووفى فعلاً حين أعلن في 26 / 12 / 2018م مجدّداً عن طرح القطعة النقدية المعدنية الجديدة من فئة 50 ليرة سورية في التداول، وقال في بيان آخر إنه وضع هذه الفئة في التداول اعتباراً من اليوم، مُذكّراً أنَّ طرحها يأتي حرصاً من المصرف على تأمين احتياجات التداول من الأوراق النقدية والنقود المعدنية وحاجة السوق المتزايدة من الفئات الصغيرة ولا سيما فئة 50 ليرة .

وماذا بعد ..؟
كأنّ هذه الخمسين لم توضع بالتداول فعلاً، فلا أحد يراها في الأسواق ولا مع السائقين ولا مع التجار، ولا في الصيدليات، ولا في الأكشاك، ولا بأي مكان، وصار العديد من المواطنين يتندّرون على هذه الخمسين المعدنية، ويشكّكون بصحة وضعها بالتداول فعلياً، والبعض يقول بأنها تبخّرت، والبعض يقول رأيتها مرّة مع أحدهم ولم أرها بعد ذلك، حتى أن بعض التجار استغربوا أن تكون هناك خمسين ليرة معدنية قد طُرحت بالتداول ..!!
أين الخمسين إذن ..؟
لمعرفة أين هي هذه الخمسين القريبة البعيدة، توجّهنا بالسؤال إلى مدير خزينة مصرف سورية المركزي، إياد بلال، فالمعروف أنه يتبع لإدارة الخزينة ( دائرة المسكوكات والنقود المعدنية ) كما يتم في خزينة المركزي حفظ مخزون مصرف سورية المركزي من الأوراق النقدية والنقود من الفئات الصغيرة والمعادن الثمينة، وتتم أيضاً في قسم إدارة النقد لدى الخزينة، الإحصائيات الخاصة بالسيولة النقدية ومخزون المصرف المركزي ووضع الفروع في المحافظات واقتراح طباعة أوراق نقدية أو سك نقود معدنية عند الحاجة.
غير أنّ بلال اعتذر عن إعطاء أي معلومات عن الخمسين ليرة المعدنية الجديدة، لأنه على ما يبدو غير مُخوّلٍ بذلك، ونحن نقدّر هذا، وقد أشار لنا إلى أنّ مثل هذا الأمر مرتبط بالمكتب الصحفي لدى إدارة الدراسات في المصرف.
إلى مديرية الدراسات
لم نعثر بين مديريات مصرف سورية المركزي على مديرية الدراسات، وكدنا أن نتوه، فلم نعد نعرف إلى أين نتجه..؟! ولكن رأينا أن مديرية الأبحاث الاقتصادية والإحصاءات العامة والتخطيط، من مهامها القيام بجميع الدراسات المتعلقة بتفسير الوقائع الاقتصادية والنقدية والمالية داخل سورية وخارجها والتحري عن وضع النشاط المصرفي في سورية.
وإعداد الدراسات والمقالات والأنباء المعدة للنشر وتحرير وتوزيع الأخبار، كما أنها هي المسؤولة عن إدارة محتوى موقع مصرف سورية المركزي، فقلنا هذه هي الدراسات، وكان الأمر كذلك.
قمنا بالاتصال مع مدير الأبحاث الاقتصادية غيث علي، وطرحنا عليه استفسارنا حول الخمسين ليرة، فأوضح مشكوراً وبلطفٍ لنا أنّ العديد من وسائل الإعلام قد اتصلت معه للاستفسار عن هذا الأمر، والواقع فإن الخمسين ليرة المعدنية – يقول غيث علي – موجودة، ويتمّ يومياً ضخّ قسمٍ منها في السوق، وهي تحتاج إلى بعض الوقت كي تنتشر بشكل جيد.
وسألنا غيث: أين تُضخّ وكيف ..؟ ليوضح بأنّ البنك المركزي يتبع بشأنها عمليات ضخ تدريجي للمحاسبين، ولكل من يطلب هذه الفئة النقدية المعدنية من المواطنين، فقد حدد المركزي يومياً ساعتين من الثامنة حتى الساعة العاشرة صباحاً، لاستقبال المواطنين وتزويدهم بما يحتاجونه من الخمسين ليرة المعدنية.
قلتُ للسيد غيث : يعني هل بإمكاني أن أتوجّه غداً إلى المصرف المركزي والحصول على بضع خمسيناتٍ معدنية..؟ .. قال: طبعاً.
وبالفعل اتجهتُ في اليوم التالي إلى الطابق الأرضي في مصرف سورية المركزي، حيث توجد الصناديق المالية، وفي الاستعلامات طلبوا الهوية، وفيّشوها، وسألوني ماذا أريد ..؟ فقلتُ لهم، ثم قطعوا لي تذكرة دور، عليها رقم عريض محدّد، وترحيب يقول : ( مصرف سوريا المركزي .. أهلاً وسهلاً ) وبعد الترحيب عبارة ( بيع واستلام معدن ) ثم تاريخ الدخول وساعته.

أربعون خمسيناً

وبالفعل .. دخلت، وأذكر أنني كنتُ أبتسمُ من فرحتي، ولاسيما عندما تمكّنتُ من تبديل ألفي ليرة، بأربعين خمسيناً، جلبها لي موظف في البنك بكيس بلاستيكي صغير شفاف ومختوم، كُتب عليه بالحبر الأزرق أنه يحتوي بداخله على ألفي ليرة على شكل خمسينات معدنية، أخذته وأعطيته ألفي ليرة ورقية، ثم أودعتُ كيس الخمسينات في جيبي وأنا سعيد جداً بما ظفرت، لأنني ضمنتُ عدم غضب أي سائق سرفيس ولا نقل داخلي على الأقل مني .. ولن يفرض عليّ بعد اليوم الصيدلاني أياً من حبوب السيتامول أو البلاستر..

الحياة موقف

يا للنعمة التي أنا فيها .. سأبقى بعد اليوم سيّد موقفي في الباصات والسرافيس، ولن أدع سائقاً يزورني بأطراف عينيه الغاضبة، ولا ينظر إليّ بحنقٍ من الآن فصاعداً، إذ لن أعطيه المجال لذلك، فكلما أوشكت خمسيناتي على النفاذ سأقصد المركزي لأشتري غيرها.
وأنتم أيها الأصدقاء، وأنتم أيضاً يا سائقي السرافيس والباصات، ويا أيها السادة الصيدلانيون والتجار، اذهبوا إلى مصرف سورية المركزي مثلي، واشتروا خمسينات، علّنا نساهم مع بعضنا بإنهاء هذه المشكلة التي تزعجنا يومياً.
من جانب آخر نقول لمصرف سورية المركزي العزيز على قلوبنا : لماذا هذا البخل كله الذي لا يليقُ بك ..؟ ففتح المجال لبيع الخمسينات فقط على مدى ساعتين في اليوم غير كافية، دعوا هذا المجال مفتوحاً طوال الدوام الرسمي، واعطوا البنوك الأخرى منها أيضاً ودعوها تبيع، واجعلوا هذه ( النعمة ) تنتشر بسرعة ليستريح الناس، فلا تتخيّلون السعادة التي تبدو على من أعطيتهم من خمسيناتي .. حتى الآن أعطيت منها لسائقين اثنين من سائقي السرافيس، نظرا إليها وابتسما .. وواحد قال مغتبطاً ( إي هه ) كما أعطيتها لبائع خضار، اشتريت من عنده باقة نعنع، سألته : بكم الباقة ..؟ فقال خمسين .. ونظر إليّ منفعلاً وقال : ولكن ليس معي خمسين .. أشهد بالله ليس معي .. حدّقتُ بعينيه الجاحظتين انفعالاً .. وابتسمت .. وقلتُ له : أنا الذي معي الخمسينات .. أخرجتُ واحدة .. وقلتُ له : تفضّل .. هذه أحلى خمسين .. تناولها مبتسماً .. وفركها بأصابعه .. ونظر إليها محدّقاً .. ثم نظر إليّ ضاحكاً وقال : يا أهلاً وسهلاً .. أكثر الله من أمثالك .. وهذه لعينيك أجمل باقة نعنع.
فيا مصرف سورية المركزي .. أفرح باعة النعناع..!

اقرأ أيضا

مناهضو التغيير يفرملون خططه .. فلماذا لا تُحيّدهم الحكومة.. وتدفعُ بالبدائل إلى المشهد ..؟!

سينسيريا – علي محمود جديد  

ArabicDutchEnglishFrenchGermanItalianPersianRussianSpanish