الشريط الاقتصادي
الرئيسية / اقتصادوفوبيا / من لجنة التحقيق في الكسب غير المشروع إلى التعامل مع الفساد بهدوءٍ ..فمتى يصبح الخوف حليف الفاسدين؟!

من لجنة التحقيق في الكسب غير المشروع إلى التعامل مع الفساد بهدوءٍ ..فمتى يصبح الخوف حليف الفاسدين؟!

سينسيريا – علي محمود جديد


في الحقيقة لا ندري ما هو ذلك السرّ الذي يمتلك من خلاله الفاسدون حصانةً رهيبة، تجعل من أي هجوم عليهم، هجوماً هشَّاً سريع الانكسار ..؟!
فعلى الرغم من اعتراف الجميع بتفشّي حالات الفساد بين ضلوع الدولة ومؤسساتها، ودهاليزها المتفرّعة، وبين أحياء المجتمع وشوارعه، فإنّ كل محاولات مكافحة الفساد – التي نعرفها حتى الآن – باءت بالفشل، وفيما أُجهضت بكفاءةٍ عالية، بقي الفساد مستشرياً وهادراً كطوفانٍ، كأنه ليس بمقدور أحد الوقوف بوجهه..!
ففي عام 1977 تمّ تشكيل لجنة بالمرسوم التشريعي رقم 60 وسُمّيت وقتها رسمياً (لجنة التحقيق في الكسب غير المشروع ) برئاسة عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي آنذاك، السيد أحمد دياب، وقد أخذ تأسيس هذه اللجنة صدى واسعاً، لاسيما وأنّ صلاحياتها أشعرت الجميع بأنها كفيلة بوضع حدّ للفساد والرشاوى والتطاول على المال العام، فقد حُدّدت مهمة هذه اللجنة بتقصي جرائم الرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة والكسب غير المشروع، ومتّعها المرسوم باختصاصات النيابة العامة وقاضي التحقيق وقاضي الإحالة، بما في ذلك إصدار مذكرات التوقيف والقبض، وتصدر قراراتها مبرمة غير خاضعة لأي طريق من طرق المراجعة، وأُجيز لتلك اللجنة إصدار قرارات الحجز الاحتياطي على أموال المعزو إليهم ارتكاب الجرائم الداخلية في اختصاصها، ويبقى قرار الحجز نافذا حتى صدور القرار بمنع المحاكمة أو عدم المسؤولية أو البراءة .
ومنح المرسوم تلك اللجنة الحق لها بنتيجة التحقيق أن تحيل الأظناء أو المتهمين للمحاكم المختصة .
وحدّدت المادة الخامسة من المرسوم 60 لعام 1977 اختصاص هذه اللجنة بأنه يشمل:
أ ـ أصحاب المناصب .
ب ـ الموظفين المدنيين والعسكريين .
وسائر العاملين في الدولة وفقا لما هو منصوص عليه في قانون العقوبات الاقتصادية
وتعديلاته بما في ذلك القطاع العام والمشترك، باستثناء القضاة .
جـ ــ الشركاء والمتدخلين من غير المشمولين بأحكام الفقرتين السابقتين .
د ــ كل مواطن كلف وندب إلى خدمة عامة وكل مواطن ترى اللجنة ضرورة شموله باختصاصها .
وكلّف المرسوم المذكور كافة الجهات، بإحالة الإخبارات والشكاوى والضبوط والتحقيقات المتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم التشريعي إلى اللجنة، فيما تستمر الجهات القضائية بمتابعة النظر في القضايا المعروضة عليها بتاريخ نفاذ هذا المرسوم التشريعي والتي تدخل في اختصاص اللجنة المشار إليها .
ومع الاحتفاظ بحق الدفاع المنصوص عليه في القوانين النافذة، فوّض المرسوم تلك اللجنة بعدم التقيد بالإجراءات الأصولية المنصوص عليها في التشريعات النافذة، وللجنة أن تتحرى بكافة الوسائل والطرق التي تراها ملائمة للوصول إلى الحقيقة، ولها أن تنيب عضوا أو أكثر من أعضائها أو جهة قضائية أخرى بإجراء التحقيق في موضوع محدد .
وألزم المرسوم جميع الوزارات والإدارات وكافة أجهزة الأمن تنفيذ المذكرات القضائية والقرارات والطلبات الخطية، الصادرة عن هذه اللجنة والمتعلقة بمهمتها .
وأتاح المرسوم للجنة ” التحقيق في الكسب غير المشروع ” أن تستعين بمن تراه من العاملين في الدولة ويندبون بقرار من رئيس اللجنة .
وقد اعتُبر هذا المرسوم نافذاً من تاريخ صدوره، ولكن حُدّد العمل به لمدة ستة أشهر.
وقد تمّ تمديد العمل به لفترات معينة ثم توقف التمديد.
في الحقيقة هذه اللجنة كانت مرعبة لكل الفاسدين، وكان هذا هو المطلوب، فالفاسد عندما يشعر بالتهديد، هذا يعني أنّ المكافحة اقتربت، وغدا فساده في خطر، وقد كشفت هذه المؤشرات أن مكافحة الفساد أمر ممكن عندما ينعقد العزم على ذلك، وينضج اتخاذ مثل هذا القرار.
بعد توقف أعمال هذه اللجنة، ظهرت في أواخر تسعينات القرن الماضي، تنظيم استمارة ( من أين لكَ هذا ..؟ ) لتطال عدداً من المشاغبين على هامش الفساد لا أكثر، وفي عام 2008 افتتح السيد رئيس الجمهورية مبنى مجلس الوزراء الجديد في تنظيم كفرسوسة، ونذكر جيداً أنه وجّه المجلس في حينه إلى البدء بالتنفيذ الفعلي باستخدام استمارات الملكيات الخاصة لكبار العاملين في الجسم الحكومي والقضائي والتشريعي، ومتابعة هذه الاستمارات دورياً والوضع المالي لهؤلاء العاملين خلال فترة عملهم الرسمي لضمان الشفافية والنزاهة.‏‏
لا ندري ما الذي يحصل بمثل هذه التوجهات..؟! فما أن تبدأ حتى تصطدم بموانع التنفيذ، وعراقيل الاستمرار، إنها حظوظ الفاسدين التي تكاد تجتاح كل شيء..!
على كل حال نحن لسنا ضد الفاسدين كأشخاص، نحن ضد أعمالهم وتوجهاتهم، لأن تلك الأعمال والطرق التي يتبعونها في التنفيذ، تنعكس – بالنهاية – علينا جميعاً بالسوء، وعلى الاقتصاد الوطني، والحكومة الحالية تُدرك هذا جيداً بطبيعة الحال، ففي تقرير ضخم أعدّته هيئة التخطيط والتعاون الدولي، واعتمدته الحكومة منذ أكثر من عام ونصف، على شكل خطوط عريضة، تمّ وضعها كآليّة لبرنامجٍ وطني تنموي شامل، لـ ( سورية ما بعد الأزمة ) أفردت فيه محوراً خاصاً لمكافحة الفساد باسم (محور البناء المؤسسي وتعزيز النزاهة ) اعتبرت فيه أنّ الفساد يُعَدُّ الثغرة التي تفرّغ كل جهد حكومي من محتواه، والفساد هو أكبر من مشكلة اقتصادية، وأثقل من ظاهرة اجتماعية، وأوسع من مرض أخلاقي، ويمكن له أن يقارَبَ من زاوية كونه خللاً، أو ضعفاً، أو انحلالاً مؤسساتياً، بحسب درجة تطوره.
من هذا المنطق – يقول التقرير – نرى أهمية البدء بحماية وتحويط عملية الانتقال، إلى سورية في ما بعد الأزمة، بسياج مكافحة ظاهرة الفساد، وتعزيز النزاهة والشفافية، حتى لا تتحول هذه الظاهرة إلى “الثقب” الذي تضيع فيه جميع الجهود، الساعية إلى وضع أفضل.
ويعتبر التقرير بأنّ تعزيز النزاهة والشفافية هو شرط لازم، غير كاف لنجاح تنفيذ البرنامج، فلا يمكن لإعادة الإعمار أن تتم في حال تزايد ظاهرة الفساد، كما لا يمكن توقع نجاح جهود ترقية البنيان الفوقي، الاجتماعي والثقافي والسياسي، في ظل انتشار هذه الظاهرة، التي تهدد المجتمع برمته، ولا يمكن للتنمية، أن تكون متوازنة ومستدامة، مع وجود هذه الظاهرة، التي تخل بكل الموازين والقوانين، والأعراف والتوازنات، ويتطلّب تعزيز النزاهة والشفافية، ومكافحة الفساد، على جميع المستويات، تطوير منظومة متكاملة، بأبعادها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الأبعاد الأخلاقية، وتحتاج هذه العملية إلى مقومات خاصة تتعلق بتصميم الآلية المناسبة لإدارة هذا الملف، التي تقوم أساساً على تحديد الخصائص الرئيسية المميزة، لظاهرة الفساد في سورية، وأسباب عدم نجاعة سياسات مكافحة الفساد المتبعة سابقاً، ومقومات نجاح هذه السياسات.
ويحتاج إنجاح هذا الملف إلى إرادة قوية مدعومة بالإصرار على الذهاب فيه إلى مستويات متقدمة، بحيث يكون من أهم بواكير الانتقال إلى سورية في ما بعد الأزمة. فالبدء بإطلاق حملة لتعزيز النزاهة والشفافية سينطوي على رسائل سياسية واقتصادية واجتماعية، تنبئ بمرحلة جديدة من دولة المؤسسات، حيث يتمتع كل الأفراد بنفس الحقوق ويتحملون نفس الواجبات.
وبغية التعامل مع ظاهرة الفساد بهدوء وإبداع، يرى التقرير أنه لابد من إحضار هذا الملف إلى المؤسسات المعنية، على أن يترافق ذلك مع دعم سياسي وحكومي كامل لهذه العملية، ويرتبط نجاح المجتمع في تعزيز النزاهة والشفافية بالدور الذي يقوم به الجهاز القضائي المستقل، الضامن لترسيخ هيبة الدولة، وتعزيز العدالة في المجتمع، وسيادة القانون، وحريات وحقوق المواطنين، وتوفير المحاكمات العادلة، واحترام مبدأ الفصل بين السلطات.
من ناحية أخرى، يقوم البرنامج الوطني التنموي لسورية في ما بعد الأزمة، على إسناد دور رئيسي في التنفيذ، إلى البنية المؤسساتية السورية القائمة، قبل النظر في استحداث مؤسسات جديدة، مع ضرورة تحديد خيارات الحكومة تحديداً واضحاً وصريحاً، حيال توزيع الأدوار والمسؤوليات، ويتطلب ذلك إيلاء الاهتمام بالإصلاح المؤسسي، لتحليل أوضاع المؤسسات، وتبيان مكامن الخلل فيها، ومدى تكاملها وملاءمتها من نواحي القيادة والتنظيم والكفاءة، والموارد البشرية، لتنفيذ المهام الملقاة
على عاتقها، ولتلافي نقاط الضعف لدى تلك المؤسسات، وتبرز في هذا المجال أهمية التنمية الإدارية، التي ستعنى بتطوير الهياكل المؤسسية، وتطوير التشريعات والنواظم اللازمة لذلك، وتأهيل الموارد البشرية، التأهيل المناسب، ولا بدّ من التركيز بوجه خاص، على إصلاح مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي، إصلاحاً جذرياً، وتطويرها، لكونها أحد مرتكزات الاستثمار والإنتاج الرئيسية للبرنامج، في جميع مراحله.
هذا الفهم الجديد للحكومة في ” محور البناء المؤسسي وتعزيز النزاهة ” ضمن التقرير المذكور يُشعرنا بالأمل، ولكننا جميعنا بالمقابل نرى كيف يستشري الفساد ونحن نتفرّج في أغلب الأحيان، ولا نلاحظ وجود أي مجابهة جديّة لمكافحته وإنهائه.. أو على الأقل الحد منه، لاسيما وأن الحكومة توصّفه جيداً في التقرير، وتُبرز حجم مخاطره، ولكنها تتجه نحو ” التعامل مع ظاهرة الفساد بهدوء وإبداع ” وهذا ما قد يساهم في صعوبة العلاج وضعف النتائج، فالفساد الذي استشرى وطغى وبغى إلى حدٍّ كبير وبمختلف الاتجاهات، صار بحاجة إلى تفعيل قوي للمرسوم التشريعي رقم 60 لعام 1977، واستحضار لجنة ” التحقيق في الكسب غير المشروع ” من جديد، وتفعيلها بقوّة ودعمها، بل وجعلها دائمة وغير مؤقتة، حتى يصير الفاسد يبتعد من تلقاء نفسه عن مجرد محاولات الفساد، فالفاسدون يليق بهم الخوف والرعب، والضرب بيدٍ من حديد – على ما نعتقد – أكثر بكثيرٍ من الهدوء والإبداع.

اقرأ أيضا

سيولة مالية كبيرة ومعامل تنتظر التمويل والترميم…فلماذا لا يطلق سراح القروض بشروط ميسرة؟!

سينسيريا-خاص