والمناقصة في عقل المتابع، هي عمل وصفقات وأرباح، فلماذا يتم إحجام الشركات أو المتعهدين أو التجار عن التقدم إليها ما يضطر الجهة المعلنة صاحبة المشروع للإعلان أكثر من مرة؟

سرعة البت وتثبيت السعر

وفي محاولة لمعرفة سبب ما يحدث في كثير من المناقصات التي تعلن عنها إحدى الجهات الحكومية. تواصلت مع عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق الذي قال إن أهم أسباب العزوف عن التقدم لمناقصات الدولة هو أن التأمينات الأولية تدفع بالليرة السورية. ويتم التقدم على المناقصة بالليرة السورية، وفي الوقت الذي تحتاجه المناقصة لترسو على أحد، وبينما تقوم الجهة المعلنة بدراسة العروض المقدمة لها، يكون سعر المواد قد اختلف وسعر الصرف كذلك. وإلى حين يتم صرف التأمينات أيضاً يكون اختلف سعر الصرف فيخسر التاجر أو المستورد أكثر. إضافة إلى أن عدم وجود كميات كبيرة من المواد عند التاجر أو عند مورد واحد في السوق، يضطر المتعاقد لشراء المواد من تجار متعددين، ما يشكل فروقات في المواصفات والأسعار.

واقترح الحلاق لحل هذه المشكلة سرعة البت في المناقصات، وتشجيع أكثر من طرف على التقدم.  مع تثبيت سعر الصرف حين التقدم، وإعطاء الوقت الكافي للتسليم أو التنفيذ.

التأخير يعني مشكلة جديدة

نقيب مقاولي سورية المهندس عبد الرحمن سليمان وبعد أن أكد كل ما سبق من كلام. وأضاف: إن السعر التقديري للمواد في يوم التقديم للمناقصة يختلف عنه بعد أخذ أمر المباشرة. حيث ترتفع الأسعار فتصبح الأرباح لا تغطي النفقات، ويدخل من رست عليه المناقصة في متاهة التقديم على فروقات الأسعار، وصحيح أن البلاغ رقم 15 أعطى المقاول آلية لتحصيل حقوقه من الإدارات والجهات التي يعمل معها، ولكن الأشخاص المتباطئين بالتنفيذ يتسببون بخسارة المقاول. إذ إن لجان الكشف على فروقات الأسعار لا تعمل بسرعة، وتتأخر بإعطاء أمر التسديد، وكل تأخير تترتب عليه فروقات جديدة. وهكذا دواليك. إضافة إلى أن عدم توافر سيولة في الإدارات أحياناً يؤخر عملية التسديد ويشكل عبئاً إضافياً على المتعاقد أو المقاول أو التاجر. مع الإشارة إلى أن فروقات الأسعار لا تحدث فقط عندما تكون المواد مستوردة ومرتبطة بشكل مباشر بسعر الدولار، بل حتى عندما يتم الحصول عليها من السوق المحلية. وفي حال اللجوء إلى القضاء يحق للمقاول المطالبة بـ5 بالمئة سنوياً من قيمة المشروعات، وهي نسبة لا تغطي الفروقات الكبيرة التي تحصل.

تمييز القطاع العام

ويضيف سليمان: إن تعليمات رئاسة الوزراء خصصت قيمة المشروعات التي ينفذها القطاع الخاص بأكثر من مليار ليرة. أما الجهات العامة فبإمكانها أخذ مشروعات صغيرة بعشرات الملايين، ما يقطع الطريق على الشركات الصغيرة والمقاولين الصغار. إضافة إلى أن الشركات العامة تستطيع تحصيل فروقات الأسعار بطريقة أسهل على عكس المقاول الخاص.

وبين النقيب أن المقاول يعاني أيضاً وبشكل كبير من موضوع السحوبات اليومية. موضحاً أن المصرف المركزي يرفع سقف السحب للمقاول عند قدم العقود، ولكن سقف السحب لا يتجاوز 10 ملايين ليرة، وهذه السياسة التي اتبعتها المصارف جيدة لحصر السيولة والحفاظ على سعر الصرف، ولكن نرى أن سعر الصرف غير ثابت برغم سياسات تخفيض سقف السحوبات، ما يحمل المقاولين خسائر إضافية. لأنه ولو فرضنا أن أمر الصرف من الجهة المتعاقدة جرى بوقت قياسي، يبقى المقاول خاسراً لأنه لا يستطيع سحب الأموال من المصرف بحرية. وإنما هو مقيد بسقف السحب، ما يشكل خسارة فوق الخسارة.

فروق الأسعار

وتم التواصل مع أحد التجار المتقدمين لإحدى المناقصات والذي فضل عدم ذكر اسمه.فقال إن سبب عدم التقدم للمناقصة عند عرضها للمرة الأولى غالباً لأن العروض تكون غير متناسبة مع أسعار السوق. بحيث تضطر الجهة التي عرضت المناقصة للعرض مرة ثانية أو ثالثة بعد تحسين شروط العرض، بمعنى: تعرض مناقصة لتنفيذ مشروع ما، ولكن التكلفة التي تم رصدها عند العرض للمرة الأولى لا تكفي لشراء المواد، هذا غير تكاليف التنفيذ، فيتم تحسين الشروط والمبلغ المرصود بالعرض للمرة الثانية وقد تحدث للمرة الثالثة بسبب اختلاف أسعار المواد بشكل دائم نتيجة عدم ثبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار. إضافة إلى البيروقراطية والتأخر في الدفع، كل هذا يدفع التجار للإحجام عن التقديم، إضافة للضرائب التي تحسم عند القبض.

ويضيف التاجر: إنه وفي بعض الأحيان تتغير أسعار المواد بالفترة الممتدة بين وقت التقديم على المناقصة مروراً بمرحلة رسوها وصولاً إلى مرحلة التنفيذ ما يؤدي إلى تحميل التاجر خسائر إضافية. وقد يقع صاحب العرض بمشكلة فقدان المواد أو الأصناف من السوق بعد أن يتم التعاقد على توريدها، ليعود ويدخل في دوامة رفع كتاب لاختلاف مواصفات المواد في السوق ومواصفات المواد المتفق عليها بالعقد الأساسي. وبسبب كل ما سبق يعزف التجار عن الدخول في مناقصات الدولة.

غموض النصوص

ويتابع: من المشكلات التي تواجه التجار أو المستثمرين عند الدخول في مناقصة أيضاً هي مشكلة غموض نصوص المناقصات. بحيث لا يكون نص المناقصة واضحاً ومعبراً عن طبيعة المواد المطلوبة، ليس كذلك فقط، بل إن صيغ المناقصات في بعض الأحيان تنقصها المعلومات اللازمة، ذاكراً إحدى المناقصات التي جاء في نصها طلب توريد حواسيب، ليفاجأ التاجر الذي رست عليه المناقصة بأن المقصود بكلمة حواسيب هو حواسيب وملحقاتها من (لوحة مفاتيح وماوس)   وغيرها، ما شكل عبئاً إضافياً عليه وأدى إلى زيادة خسائره، كذلك نقص خبرة أعضاء اللجنة المشرفة على المناقصات في كثير من الأحيان وعدم درايتهم بحيثيات العمل. ذاكراً كمثال إحدى مناقصات تمديد الكهرباء التي ذكر في نصها تمديد كبل بطول ألف متر من نقطة إلى نقطة أخرى. في حين أن التنفيذ يحتاج إلى كبل بطول ألفي متر، وعند حضور اللجنة لم يستطع منفذ العمل إقناعهم بالفرق لعدم خبرتهم ومعرفتهم بأن التمديدات تكون مخفية في بعض النقاط.

السحوبات والملاحق

ويضيف التاجر: ليت الأمر يتوقف عند ما سبق. بل هناك ما هو أسوأ، موضوع سحب النقود من المصارف الذي حددت الحكومة سقفه بـ5 ملايين ليرة من المصارف الحكومية ومليوني ليرة من المصارف الخاصة. وأحياناً لا يتم الالتزام بهذه السقوف ونحصل على مليون ليرة باليوم فقط، ما يشكل عبئاً إضافياً على التاجر الذي يحتاج سحب الأموال إلى شراء المواد من السوق والتقدم لمناقصات جديدة. أما ملحقات العقود، فهي حكاية ثانية ومشكلة مستقلة. فعند اختلاف الأسعار أو المواصفات بين العقد المنفذ والأسعار والمواصفات الأصلية، يحق لمنفذ المناقصة أن يتقدم بكتاب يسمى ملحق عقد، وأحياناً تصل الأمور إلى رفـع دعـاوى فروقات أسعار تستغرق أشهراً ولا ينتج عنها في كثير من الأحيان أي فائدة. لأن الجهة صاحبة المناقصة تقوم بتشكيل لجنة وتستقصي السوق ومن ثم تقرر: يصرف تعويض أم لا.

الوطن