ومَن لم «يورّث» «صدريته» أو «بدلة الفتوة» لإخوته الأصغر، وربما لأقارب أو جيران أكثر فقراً. من دون أن ينقطع منها زر واحد، أو يتغير لونها أو حجمها بعد المئات من عمليات الغسيل والكي؟. هذا غير الكثير من الأمثلة التي نذكرها جميعاً عن أشخاص يلبسون ذات بدلة «السفاري» لسنوات طويلة.

هكذا كانت منتجات شركات ومؤسسات الدولة التي صار يطلق عليها فيما بعد اسم مؤسسات التدخل الإيجابي. سواء كانت الشركة العامة للأحذية، التي كان يقصد صالاتها – وخاصة صالات شركة باتا التي كانت تعرض منتجاتها – الغني والفقير لجودة المنتج. من ناحية الموديل ومن ناحية ما يعرف بالـ «مصنعية». أم شركة وسيم للألبسة التي كانت – فعلياً – ملاذاً للفقير.

ازدياد  الحاجة

واليوم، ومع ازدياد الحاجة لهذه المؤسسات، انزوت بعيداً عن الناس، وشح إنتاجها الموجه لهم. أما المتبقى منها، فما زال يتعامل وينتج بعقلية السبعينيات والثمانينيات ذاتها. ولم يلتحق بركب «الموضة» في زمن صار الناس فيه يفضلونها على الجودة.

 

تم فتح ملف الشركة العامة للأحذية، وشركة وسيم للألبسة الجاهزة، للوقوف على الأسباب التي أدت إلى ضعف وجودها في الأسواق. وخاصة في هذه المرحلة الخاصة جداً التي تدنت فيها القوة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة. وأصبحوا بحاجتها أكثر من أي وقت مضى.

أين الصالات؟ وماذا فيها؟

قسم كبير من المواطنين الذين تم الالتقاء بهم  لم يكونوا يعلمون أن هذه المؤسسات لا تزال موجودة وأن إنتاجها مستمر.معتقدين أنها توقفت عن الإنتاج منذ سنوات طويلة، أو على الأقل منذ بداية الحرب على سورية.

أما القسم الثاني، ورغم معرفتهم بأسعار منتجات هذه المؤسسات التي تقل عن بقية الأسواق بنسب معينة. إلا أنهم لا يقصدونها بسبب قِدم الموديلات الموجودة فيها. وعدم مجاراتها لما هو سائد وموجود في الأسواق، والذي يرغب به أبناؤهم.

(عبد السلام محمود) موظف، يقول: بالنسبة لي، أقبل بأي نوع ملابس وأحذية أسعارها أقل من أسعار الأسواق. ولن أقول أسعاراً تناسب دخلي، لأنه لا وجود لأسعار تناسب دخل الموظف في سورية لا في القطاع العام ولا الخاص. أما أولادي فلا يقبلون سوى بارتداء الأزياء والأحذية الدارجة التي يرتديها زملاؤهم وأصدقاؤهم. وهذا يضع أي أب بحيرة، ويجبره على الاستجابة لرغبة أبنائه، كي لا يشعروا بأي نقص عن بقية أقرانهم.

أما (أم عامر)، العاملة في إحدى شركات القطاع الخاص، فتساءلت عن أماكن وجود صالات المؤسستين. ولماذا ليست لها إعلانات وتسويق ليعرف الناس أنها لا تزال موجودة وتنتج ويستفيدون من أسعارها التي ستكون – حكماً – أقل من الأسواق؟

وبلغت نسبة مفضلي الشراء من صالات الشركات المذكورة حسب استطلاع 15 بالمئة. والسبب ليس انخفاض الأسعار التي وصفوها بأنها قريبة من أسعار السوق وخاصة بالنسبة لصالات شركة «وسيم»، وإنما بسبب تمسكهم بميزة جودة الأقمشة بالنسبة للألبسة، والجلود بالنسبة للأحذية، فهي تصنف درجة أولى قياساً بمنتجات السوق ذات الأقمشة المتوسطة الجودة أو الرديئة، والجلود الصناعية التي تبلى بسرعة كبيرة. بل لأنهم يبحثون عن الاستمرارية وضمان بقاء ما يقتنون أكثر من سنتين ما يوفر عليهم عمليات شراء جديدة.  خاصة ما يتعلق بألبسة الأطفال المدرسية من «مراييل» وأحذية رياضية وعادية.

فيما يرفض قسم آخر شراء حاجاتهم من صالات الشركة لانعدام مواكبة الأزياء فيها للحداثة. إضافة للتقارب بالأسعار بين هذه الصالات وبين الأسواق، فالفرق حسب قولهم لا يتجاوز بضعة آلاف من الليرات.

قلة الموديلات سببها الجلد الطبيعي!

«الوطن» حملت أسئلة الناس وأسئلتهم لمديري الشركتين. وكانت البداية من الشركة العامة للأحذية التي أرجع مديرها شريف حسن ندرة المنتجات التابعة للشركة والموديلات في الأسواق إلى اختلاف عمل الشركة عن عمل القطاع الخاص. إضافة إلى أنه لا يوجد في دمشق سوى صالتين للشركة. بينما يملك القطاع الخاص مئات المحال! (هنا لا بد من التذكير بوجود مئات العقارات. التي تعود ملكيتها للدولة ويستثمرها القطاع الخاص بأجور زهيدة جداً).

وقال حسن: يتميز القطاع الخاص بمرونة أكبر في التنوع بالموديلات، لأن منتجاته تحتوي على نسبة كبيرة من الجلد الصناعي على عكس منتجات الشركة المصنوعة من الجلد الطبيعي. حيث لا يمكن للكوادر تصنيع أكثر من موديل واحد كل فترة. علماً أن موديلات الشركة رائجة في السوق على الرغم من أنها تعود لعامين ولكنها ما زالت تباع بغزارة لكونها مصنوعة بتقنية عالية.

40 بالمئة خارج الخدمة

ولم ينكر الحسن وجود صعوبات كبيرة في الإنتاج تتمثل أولاً بقدم خطوط الإنتاج، وكثرة أعطال الآلات والمكنات. التي أدت إلى خروج 40 بالمئة منها عن الخدمة، وعدم القدرة على تأمين القطع التبديلية اللازمة من الخارج بسبب العقوبات الاقتصادية والحرب. مؤكداً أن الشركة بحاجة ماسة لخطوط إنتاج حديثة تواكب السوق. وهذا ما تختلف فيه عن القطاع الخاص الذي يستطيع في فترة قليلة لا تتجاوز الشهر أن يورد خطوطاً حديثة. كل ذلك أدى إلى زيادة الاعتماد على الأيدي الماهرة الموجودة في الداخل والتصنيع من الآلات المتوفرة. ناهيك عن صعوبة تأمين المواد بالوقت المناسب.

400 عامل وخطا إنتاج.. فقط!

وأضاف حسن إلى المشاكل السابقة مشكلة لا تقل خطورة، وهي النقص في العمالة. خاصة أن أغلب الموظفين قدماء، لذا يوجد في كل عام بين 10 و15 حالة تقاعد. مشيراً إلى أن الشركة لم تستفد من المسابقة المركزية الماضية لأمور تنظيمية وإدارية، تم تلافيها حالياً. متابعاً: «نعوّل على الجهات الوصائية بأن يكون لنا دور في المرحلة القادمة لتعويض النقص، فلقد كان لدينا 1903 عمال. أما حالياً فلا يوجد أكثر من 400 عامل فقط، ما أثر في حجم الإنتاج. وكل ذلك يضاف إلى أنه كان لدينا 6 خطوط إنتاج أما الآن فلا يوجد أكثر من خطين».

وأشار إلى أن الموردين يتعاملون أيضاً بعقلية الدفع «كاش» عندما يتقدمون للإعلانات التي تجريها الشركة. وهذا الأمر الذي لا تقدر عليه الشركة بشكل دائم.

أسعار منافسة

في سياق آخر، أكد حسن أن أسعار أحذية الشركة منافسة جداً للسوق، ولا تتجاوز هوامش الربح أكثر من 3 بالمئة من سعر التكلفة على عكس أرباح القطاع الخاص الكبيرة جداً. علماً أن سعر الجلد الطبيعي ارتفع في الآونة الأخيرة بشكل كبير نظراً لتقلبات الأسعار. مبيّناً أن سعر الحذاء الرجالي يتراوح بين 35-50 ألف ليرة، والولادي بين 10-25 ألفاً. كما يباع الحذاء في معرض «سيلا» بـ50 ألف ليرة. بينما في الأجنحة الأخرى بـ110 آلاف ليرة. فيما يباع الحذاء المصنوع من الجلد الصناعي بـ65 ألف ليرة.

مليارا ليرة في 9 أشهر

وفي الأرقام، كشف حسن أن إنتاج الشركة منذ بداية العام الحالي حتى نهاية شهر تشرين الأول كان عبارة عن 293 ألف زوج أحذية بقيمة 13 مليار ليرة. وقد وصل حجم المبيعات إلى 322 ألف زوج بقيمة 15 مليار ليرة. مشيراً إلى وجود مخزون متحرك ومسوق بشكل يومي للجهات المتعاقدة بكمية 26 ألف زوج بقيمة مليار ليرة. واصفاً حجم المبيعات بأنه جيّد ويعود إلى مخزون سابق يتحرك بشكل دائم. أما أرباح الشركة فقد تجاوزت الملياري ليرة من دون وجود أي خسائر. لافتاً إلى أن الشركة تتطلع إلى أرباح أكبر في نهاية العام.

وتابع: «لدى الشركة أربعة معامل اثنان منهما في محافظتي السويداء ومصياف، واثنان آخران في درعا والنبك وهما خارج الخدمة بسبب تدميرهما من قبل العصابات الإرهابية المسلحة. وقد حاولنا تفادي ذلك من خلال استئجار صالة في معمل اليرموك وإحداث خطي قص وخياطة فيهما.  إضافة إلى إحداث خطين مشابهين في النبك أيضاً، كما أحدثنا معمل رباطات البوط العسكري في النبك». مشيراً إلى وجود سبع صالات رئيسية تتبع للشركة اثنتان منها في دمشق، والبقية في درعا والسويداء وحماة وحمص واللاذقية. وذلك لعرض كل أنواع الأحذية التي تنتجها الشركة.

وأشار إلى أنه منذ أن وافق مجلس الوزراء على تقديم منحة مالية قيمتها 13 مليار ليرة للشركة، تهافت الموردون للتعاقد مع الشركة. وبالتالي سيكون لذلك تأثير إيجابي كبير من خلال تأمين المواد اللازمة لصناعة الأحذية بالسرعة القصوى وبالجودة والمواصفات الممتازة. ما سيؤدي إلى تخفيض الأسعار أيضاً.

مبيعات من دون كساد

ولفت حسن إلى أن الشركة اعتمدت مؤخراً على تسويق منتجاتها من خلال إنتاج موديلات جديدة تواكب أذواق الناس والمستهلكين. وقد تم اجتياز خطوات كبيرة في هذا المجال، حسب رأيه. والدليل على ذلك أن الإنتاج مسوق بالكامل إذ لا يوجد كساد في المنتجات حيث انخفض المخزون السابق الذي يعود لسنوات عدة من 36 ألف زوج أحذية إلى 4000 زوج. بينما الإنتاج الجديد فهو مسوق بالكامل، منوهاً إلى أن مديرية التسويق في الشركة تعمل على ذلك من خلال الإعلانات والمشاركات في المهرجانات كمهرجانات «بكرا إلنا» و«سيلا» و«معرض دمشق الدولي»، وتستقبل الشركة ماكينات جديدة بين الحين والآخر. حيث إن العمل جار الآن على الإعلان عن 22 ماكينة لتعزيز خطوط الإنتاج. كما تم وضع 35 آلة بالخطة الاستثمارية للعام القادم ما يصب في تطوير خطوط الإنتاج والمنتجات وخطط التسويق. وخاصة أن كل المنتجات مصنوعة من الجلد السوري الطبيعي الممتاز المعروف عالمياً.

لا علاقة لنوع الجلد بالموديل

كلام المدير حول عدم إمكانية صناعة موديلات أحذية كثيرة لأن الشركة تعمل بالجلد الطبيعي بعكس القطاع الخاص دفعنا للاتصال بصاحب معمل أحذية فضل عدم ذكر اسمه. فأوضح أن الخامات الجلدية المستخدمة في صناعة الأحذية لا تقف عائقاً في وجه التصاميم المواكبة للموضة. فالمعمل الذي يصنع أحذية من جلد سواء كان طبيعياً أم صناعياً، يستطيع أن يواكب الموضة وحاجة السوق، وتبقى جودة الجلد والمواد المستخدمة تتبع قدرة الزبون المستهدف على الدفع.

وأضاف الصناعي: «بكل صراحة، الأساس في التصنيع والتجارة الرابحة للأحذية اليوم هو معيار مواكبة الموضة والتقليعات الجديدة على حساب الجودة، بذلك تصبح البضاعة منافسة للبضائع الصينية الرخيصة الثمن وذات الجودة المتواضعة. إذ لم يعد الزبون يهتم بإمكانية استخدام القطعة لسنوات. بقدر ما يهمه أن تكون مواكبة للموضة.

إنتاج نمطي يقتل الإبداع

ومن الشركة العامة للأحذية، إلى شركة وسيم للألبسة الجاهزة التي لم ينكر مديرها يعرب زريق أنها تعاني كغيرها من شركات القطاع العام من الإنتاج النمطي الذي يقتل الإبداع عند المصمم. وخاصة أن أغلب الإنتاج مخصص لسد احتياجات القطاع العام كالألبسة العسكرية وألبسة العمل. مشيراً إلى أنه تم لحظ ذلك ضمن خطة موضوعة بالتعاون مع وزارة الصناعة.  حيث تم اختيار 6 عاملين من الشركة تتراوح أعمارهم بين 25-40 سنة، وتم إخضاعهم لدورة تصميم واختيار 8 موديلات من تصميمهم وطُلِبَ منهم إنتاج 15 قطعة لوضعها بالصالات ليصبح الأمر دورياً. وذلك للانتقال قليلاً من الإنتاج النمطي إلى إنتاج يواكب السوق الحالية. مشيراً إلى أن هؤلاء العمال ملزمون بتقديم موديل أو اثنين كل شهر ليكون مواكباً للسوق، وستكون الأولوية بالإنتاج للأقمشة الراكدة في المستودعات لإحياء هذه الأقمشة من خلال موديلات جديدة كخطوة أولى لمعرفة مدى استجابة المواطنين للموديلات الجديدة التي ستطرحها الشركة بالأسواق، مبدياً جاهزية الشركة للدخول بالمرحلة الإنتاجية لهذه الموديلات منذ بداية شهر تشرين الأول القادم. حيث تم اختيار خط نموذجي في الشركة بحيث ألا يؤثر في الإنتاج والعقود الموقعة الأخرى.

وتابع: «كما نحاول اللجوء إلى عقود تشاركية مع شركات القطاع الخاص لاستثمار الصالات والطاقة الإنتاجية بحيث يتم تحديث الموديلات الموجودة في الشركة من خلال الاستفادة من المرونة والخبرة الموجودة لديهم في مواكبة السوق، وسنعمل على زيادة منافذ البيع من خلال التعاون مع بعض الجمعيات التي تعنى بصناعة الألبسة لاستثمار صالاتها بالمحافظات. بحيث يكون لكل محافظة صالتان أو أربع صالات لتحقيق امتداد جغرافي».

خسائر بسبب العقود

وأشار زريق إلى الصعوبات التي تواجه العمل ومنها صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج بسبب الحصار الاقتصادي، والتقلبات السعرية لليرة السورية أمام الدولار في الأسواق لكون معظم المواد مستوردة من الخارج ما يلعب دوراً بفقدان بعض المواد الأولية من الأسواق وازدياد أسعارها خلال مدة العقد وخاصة بالنسبة للعقود الطويلة الأمد. علماً أن معظم عقود الشركة سنوية، وهذا الأمر يتسبب بخسائر للشركة. حيث تزداد الأسعار بشكل كبير من شهر إلى آخر، ما يشكل أعباء على الشركات بشكل عام.

لا خسائر!

وبعد أن تحدث زريق عن الخسائر بسبب العقود، عاد ليؤكد أن نسبة التنفيذ من الطاقات المخصصة لوحدات الجهد في النصف الأول من العام الحالي وصلت إلى 52 بالمئة بقيمة 4.68 مليار ليرة. بينما وصلت الأرباح إلى 130 مليون ليرة، من دون وجود أي خسائر حتى الآن. لافتاً إلى أن عدد الوحدات الإنتاجية يصل إلى 11 وحدة إنتاجية في الأرياف تابعة للوحدة الأم في دمشق، أما عدد صالات البيع فقد وصل إلى 6 صالات. نافياً وجود أي كساد في الإنتاج، حيث وصلت قيمة المخزون في نهاية شهر حزيران إلى 190 مليون ليرة، أي ما لا يزيد على إنتاج نصف شهر. مشيراً إلى أن كل ما يتم إنتاجه يباع سواء للقطاع الخاص أم القطاع الحكومي. وخاصة بعد صدور تعميم من رئاسة مجلس الوزراء بأن تتكفل لجنة في وزارة الصناعة بتوزيع اللباس العمالي على كل شركات القطاع العام. لتغطية احتياجاتها كاملة.

متطلبات الزبائن هي الأساس

ما سبق قادنا إلى ضرورة معرفة أثر وضرورة أن تضم هذه المؤسسات مصممين متابعين لآخر صيحات الموضة، أو على الأقل متابعين للبضائع التي تجذب الزبائن في الأسواق الخاصة. وفي اتصال هاتفي بأحد مصممي الأزياء، أوضح أن للمصمم دوراً كبيراً في ارتفاع نسب المبيعات وإرضاء الزبائن. ومهمة المصمم ليست سهلة أو محددة كما يظن البعض، بل تحتاج إلى الكثير من الخبرة والوقت والجهد. إذ إن الوصول إلى تصميم مناسب يسبقه الكثير من الأمور والمهمات، فهو أولاً يتابع مزاج الناس في التسوق وقدرتهم عليه وذوقهم العام، ويتابع حركة الأسواق ليستطيع التركيز على متطلبات الزبائن، ويقوم باختيار القماش، وفي حال عدم توافر خامات معينة، يقوم باستبدالها بما يتناسب والقطعة المنتجة، ويبحث عن الخامات الأكثر استخداماً عالمياً بما يتناسب مع الأسواق المستهدفة. مبيناً أن التصميم (أزياء– أحذية – مفروشات إلخ…) هو علم وفن لا يمكن تعلمه بأيام قليلة أو عبر كورسات تدريبية متواضعة. مرجعاً افتقار منتجات القطاع العام لميزة المنافسة مع القطاع الخاص إلى عدم وجود أقسام للبحث والتطوير في هذه المؤسسات. إضافة إلى افتقاد العقلية المرنة في الإدارة. وهو الأمر الذي لا يتناسب مع العمل الفني الذي يحكم التصميم.

تراجع 80 بالمئة

ولم يتم الاكتفاء بالحديث مع مديري الشركات، وتوجهت إلى الصالات الموجودة في دمشق، واطلعت على الموديلات المعروضة. واستفسرت عن المبيعات والإقبال وكل ما يتعلق بهذه الصالات وعملها.فأكد مدير صالة«الوسيم» محمد زاهر تراجع المبيعات بشكل عام بنسبة 80 بالمئة، وهو ما يمكن ربطه بافتقار الشركة للمهارات التقنية والفنية، فضلاً عن أجرة اليد العاملة المتدنية جداً. وهو ما ضاعف الفجوة بين أجور عملهم مع القطاع الخاص، وعملهم في مؤسسات الدولة. والذي قد يصل إلى 800 ألف ليرة شهرياً. فضلاً عن انعدام نظام الحوافز لعجز ميزانية هذه الشركات.

يشترون منا ويتحكمون بالسوق!

وأرجع زاهر المشكلة الأساسية بالمبيع للعمال والتي كانت تطبق سابقاً تحت مسمى (كرت لباس) إلى ربط مبيع إنتاج الشركة بمناقصات خاصة للتجار. وعليه يصبح أي تاجر يملك سجلاً تجارياً قادراً على الاستحواذ على لباس العمال ومن ثم التحكم بطريقة وسعر المبيع، فيُجبَر العامل أحياناً على شراء ما لا يرغب به بالمبلغ المخصص له. هذا إضافة للقيود الموضوعة وبيروقراطية التعامل التي تقتل أي تطوير كما وصفها.

وأوضح زاهر أن هذا القطاع يحارب في سبيل البقاء عبر مواسم الحسومات في الأعياد. وأن هناك اقتراحات وخططاً للتطوير وتحسين العمل، تمحورت حول تخصيص هذا العمل وتوسيع نسبة المساهمين به، أو احتساب المبيع بنسب تقسم بين عاملي الشركة. ما يدفع العامل لمزيد من العمل والابتكار كأن الشركة معمله الخاص.

أسعارنا أقل من السوق

وشدد مدير الصالة على أن الأسعار في صالات الشركة منخفضة قياساً بالسوق وحسب الأنواع بالطبع. فمثلاً هناك «بيجامات» يتراوح سعرها بين 50 و150 ألف ليرة وقد تصل لـ200 ألف حسب نوع القماش الداخل في صنع المادة ونوعها (الكثير من الأنواع في القطاع الخاص أرخص). أما أسعار «المريول» المدرسي فتبلغ 8500 ليرة، والطقم الرسمي 125 ألف ليرة. وهي تتنوع حسب القماش وجودته بتفاوت قريب.

وفي حديثه عن الإقبال والمبيع، أكد زاهر أنه يقاس بالمواسم، وهو جيد قياساً بحركة السوق. فضلاً عن نوع المنتج المتزايد بما يخص اللباس العمالي والألبسة الولادية والأحذية والبياضات. مبيناً أن قلة الإقبال لا ترتبط بسعر البضاعة، بل بالوضع المعيشي بشكل عام.

جلود القطاع الخاص نخب ثالث ورابع

من جهته، بيّن مدير صالة الشركة السورية للأحذية في منطقة الصالحية بلال الخيمي، أن الإقبال مرتبط بوضع السوق بشكل عام. ويتفاوت حسب المواسم، وأن صالات الشركة لها قدرة تنافسية من حيث جودة المواد الخام. فالجلود المستخدمة في منتجاتها طبيعية،عكس منتجات السوق.  التي تستخدم جلوداً من نخب ثالث ورابع، أو جلوداً صناعية.

وأكد مدير الصالة أن الأسعار أخفض من أسعار السوق، وتتراوح في الصالة من35 ألفاً إلى 45 ألف ليرة بالنسبة للأحذية الرياضية. أما الأحذية الرجالية ذات الطابع الرسمي فتصل إلى 60 و70 ألف ليرة.

وبالنسبة للتصاميم، أكد مدير الصالة أن المؤسسة اليوم تشهد تحسناً بما يخص الموديلات. وهي- نوعاً ما – واكبت «صرعات» السوق ووافقت الأذواق.

الدول تاجر فاشل

مليارات الليرات تُمنح وتصرف على هذه المؤسسات، لكن إن نظرنا إلى جدواها. نكتشف أن هناك حلقة مفقودة تضيّع، أو على الأقل، تحجّم المأمول منها، فما هي تلك الحلقة؟

الخبير في الإدارة ماهر رزق قال: إن الدول بشكل عام تاجر فاشل. ويعود ذلك لعدم قدرة المؤسسات الحكومية على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب بما يخص المبيع والشراء. وذلك لأنها لا تتحلى بالرشاقة المطلوبة لاتخاذ القرارات ومواكبة السوق. فالإجراءات الروتينية تأخذ وقتاً طويلاً، إضافة إلى الآليات المتبعة لتوريد المواد الأولية عن طريق إعلان مناقصات. وأيضاً إجراء مسابقات لتعيين الموظفين، فالعمل بمجال الأزياء يحتاج أشخاصاً يتمتعون بالموهبة والحس الفني والدراية بالتقليعات العالمية التي يرغب بها الزبائن. إضافة إلى نظام الرواتب الثابتة التي لا تحفز الموظف ليعمل بإنتاجية أعلى.

وبالنسبة للتسويق، أوضح رزق أن المعيار الرئيس هو صناعة ما يمكن تسويقه وهو ما تفتقده هذه الشركات. بإضافة إلى آليات التسويق التي يتبعها التجار من الإعلان عن حسومات في نهاية المواسم وقدرة البائع على تخفيض السعر على حساب زيادة المبيع. وهو ما يفضله الزبون، فأغلب المحال التجارية الخاصة تقوم بتخفيض السعر عندما يقوم الزبون بالمساومة «مفاصلة». وهو ما تفتقده المؤسسات الحكومية بأسعارها الثابتة.

الحل هو الشركات المساهمة

وبين رزق أن الحل يكمن في اتباع نظام الشركة المساهمة العامة، وهو ما يحول الدولة من الإدارة المباشرة إلى الإدارة بالإشراف. فيصبح نظام الشركات شبيهاً بنظام الشركات الخاصة من رواتب واستيراد ومبيع، وبهذه الطريقة نحرر الشركات الحكومية من تعقيدات الإدارة الروتينية. ويصبح العائد المالي للشركة الذي تحصل عليه الدولة هو مقياس نجاحها.

الوطن