الشريط الاقتصادي
الرئيسية / دراسات و تحقيقات / هجرة العقول ونزيف الكفاءات مستمرة .. “مداد” يدق ناقوس الخطر ويوصي بإنشاء مرصد وطني للكفاءات والعقول الوطنية المقيمة والمهاجرة!

هجرة العقول ونزيف الكفاءات مستمرة .. “مداد” يدق ناقوس الخطر ويوصي بإنشاء مرصد وطني للكفاءات والعقول الوطنية المقيمة والمهاجرة!

سينسيريا-نسرين أمين

سلّط مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد» الضوء على دراسة هِجْرَةُ الكفاءاتِ والعُقُولِ السوريّةِ نزيفٌ تنمويٌّ مستمرٌ التي أعدها الدكتور كريم أبو حلاوة رئيس قسم الدراسات الاجتماعية
أوصت دراسة بتكوين مرصد وطني للكفاءات والعقول الوطنية المقيمة والمهاجرة، وبحصر أعدادها وتوزعها الجغرافيّ حول العالم، وتخصصاتها، والاقتراح على الإدارة العليا الإستراتيجية للمعرفة كيفيات وسبل الاستفادة منها.
كما اقترحت الدراسة تشكيل إدارة إستراتيجية للمعرفة، بمختلف فروعها، تضع السياسات والخطط والبرامج المتعلقة بالجماعة العلمية السورية وبشؤونها ومتطلبات نجاحها، إعادة النظر جذرياً، بهدف تقييم واقع النخب وتحديد مشكلاتها، ومشاركتها في اقترح حلول لاستعادة مكانتها في المجتمع، وللاستفادة من طاقاتها وخبراتها في استحداث نماذج نجاح بالمعاني الاستثمارية والتنموية،
وأوصت الدراسة إجراء بحث ميدانيّ على المستوى الوطنيّ، لتعرّف واقع المهن الحرة والخبرات النادرة في مختلف أنواع النشاط المهني، لإعادة بناء هذه المهارات، وخصوصاً أنها، وفي أغلبيتها العظمى، تعمل في النشاط الاقتصادي غير المنظم، وليس هناك إحصاءات كافية عنها، بعكس المشتغلين في القطاع المنظم العام والخاص.
وبحسب الدراسة العمل على رفع العائد على التعليم، بشقيه المادي والاجتماعي، وجعله مجزياً ومحفزاً من أجل استعادة دور العلم في المجتمع، والارتقاء بمكانة المعلمين وبناة العقول، على غرار ما فعلت التجارب التنموية الناجحة في العالم. والبداية العملية تتمثل في رفع مستوى دخل ومعيشة هؤلاء، والاستفادة من التجارب الناجحة في إدارة العلاقة مع العقول، وتفهم وإدراك خصوصية النخب الفكرية والعلمية والفنية، وحاجتها إلى الاعتراف والتميز والتقدير، ذلك أن السوق الدولية المعولمة للعمل، تحاول دائماً استقطابها وجذبها، كما تعمل على توفير كل مستلزماتها المتصلة ببيئة العمل، والحريات البحثية، وبمستوى المعيشة والرفاهية.
وكشف مركز “مداد” للدراسات والأبحاث أن مصدر قوة الكفاءات ومكمن قدراتها التنافسية بسبب أفكارها وابتكاراتها وبراءات الاختراع والاكتشافات العلمية والعملية التي جعلتها هدفاً للتسابق بين الدول الشركات. ولعل ما لا يقل عما سبق أهمية، حاجة مجتمعاتنا إلى دورها التنويري وثقافتها الواسعة وخبراتها التي أنضجتها التجارب والتفاعلات الثقافية والحضارية مع الثقافات الأخرى، وتوفير الحماية الأمنية والمجتمعية للكوادر الخبيرة، سواء من الابتزاز أم الإغراء أو حتى القتل، كما جرى مع العديد من المواهب والكفاءات العلمية السورية التي عانت من الترويع والتهجير والقتل والاغتيال، إذ يعرف الإسرائيليّ مثلما تعرف الجماعات الإرهابيّة قيمتها للوطن، لذلك كان الهدف حرمان الوطن من قوتها وخبراتها في شتى المجالات.

وبينت الدراسة إلى أن الحرب التي مرت بالبلاد أجبرت النخب الفكرية والعلمية والفنية السورية في مناطق سيطرة الجماعات الإرهابية المسلحة على الخروج من مدنها ومناطقها، سواء باتجاه المحافظات الأخرى أم خارج البلاد، وقد تم استهداف وتصفية بعض منها علناً.
ومع تطور مخاطر الحرب، سرى شعور من الذعر الجمعي وحمى الهجرة والمغامرة بين السوريين تحديداً في الأعوام 2015-2016، وتدفقت أمواج اللجوء والهجرة عبر المتوسط ودول الجوار باتجاه أوروبا بعامّة، ونحو ألمانيا بخاصّة، واللافت أن هذه الموجة الكبيرة من الهجرة واللجوء شملت لأول مرة شباباً وأطباء ومهندسين وعلماء وفنانين وأساتذة جامعات ومهنيين من مختلف المناطق.
ذكرت الدراسة إلى أن أكثر من 900 ألف سوري استقروا في ألمانيا حتى العام 2017، يوجد أكثر من 40 بالمئة من هؤلاء من أصحاب المؤهلات العالية، إضافة إلى أعداد أقل اتجهت إلى بقية البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وكندا.
وقد أخذت هجرة الكفاءات تشكل إحدى أهم خصائص الهجرة الخارجية في سورية التي تعمقت في مرحلة الأزمة والحرب، وازدادت حدّتها، في ظل اشتداد المنافسة الدولية، على استقطاب الكفاءات ورأس المال البشري المؤهل. وتشير الدراسات إلى أن نسبة السوريين المهاجرين الحاصلين على شهادة التعليم الجامعيّ العالي تتجاوز 35 بالمئة من إجمالي المهاجرين الذين تحتاج إليهم سورية في مرحلة ما بعد الحرب. وهؤلاء ثروة وطنية فتية، يصعب على النظام التعليمي السوري تعويض وتأهيل كوادر مماثلة في مدّة قصيرة.

إحصائيات
واستعانت الدراسة بنتائج دراسة المعهد الوطني للإدارة العامة (INA) حول انعكاسات هجرة ونزوح الكوادر الوطنية على أداء قطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي، وبينت النتائج أن هناك تناقصاً في الأعداد الإجمالية لأعضاء الهيئة التعليمية والفنية، مع تركز النقص في أعضاء الهيئة التعليمية والفنية للكليات النظرية! وأن أكثر الجامعات تأثراً بالنقص الإجمالي هما جامعتا دمشق والبعث، وكانت مرتبة أستاذ وأستاذ مساعد الأكثر انخفاضاً، ما يعني أننا خسرنا الأساتذة الأكثر خبرة وقدماً. وقد وصلت نسبة النقص في جامعتي دمشق وحلب حتى عام 2016 إلى 43.43 بالمئة في جامعة دمشق، و45.48 بالمئة في جامعة حلب.
وبهدف تحسن جودة التعليم اقترحت الدراسة مراجعة المنتج التعليمي المباشر وهو الطالب، والمنتج التعليمي غير المباشر، واكتشاف حلقات الهدر وأنواعه المختلفة. وتطوير التعليم بوساطة تقويم النظام التعليميّ، وتشخيص القصور في المدخلات والعمليات والمخرجات حتى يتحول التقويم إلى تطوير حقيقي وضبط فعلي لجودة الخدمة التعليمية، إضافة إلى تفعيل عمل مركز القياس والتقويم التابع لوزارة التعليم العالي والقيام بالمهام المنوطة به.

خسائر بالجملة
تشير الدراسة إلى أن القطاع الصحي خسر نسبة كبيرة من كوادره التي كانت أحد أسباب نقص الخدمات الطبية في أثناء الحرب، منوهة بأن التقديرات الصادرة عن النقابات المعنية تشير إلى هجرة نحو ثلث الأطباء، وخمس الصيادلة (أي 33 بالمئة و20 بالمئة على التوالي). ما أدى إلى ارتفاع متوسط عدد السكان لكل طبيب بشكل كبير في سنوات الحرب من 623 مواطناً لكل طبيب عام 2010، إلى 730 مواطناً لكلّ طبيب عام 2015 ، ذلك بسبب الهجرة الواسعة للأطباء خارج سورية التي فاقت في معدلاتها معدل هجرة السكان، الأمر الذي يفسّر جزئياً، إلى جانب ظروف الحرب الأخرى، انخفاض معدل العمر المتوقع عند الولادة بين الرجال والنساء.
وتتساوق المعطيات السابقة مع محاولات النقابات والجامعات والمؤسسات البحثية لتقدير أعداد الكفاءات التي غادرت سورية في مرحلة الأزمة والحرب، إذ يقدّر عدد الأطباء، ومن مختلف التخصصات، الذين غادروا بـ584 طبيباً، إضافة إلى 2250 طبيب أسنان. أما أساتذة الجامعات، ومن مختلف الكليات، فقد بلغ 1220 أستاذاً، إلى جانب نحو 150 من حملة الدكتوراه الذين يعملون خارج الجامعة، أي في المؤسسات والوزارات المختلفة، ويقدّر عدد المهندسين بـ8521 مهندساً على تنوع تخصصاتهم. ولعل الرقم الأكبر بين حملة الإجازة الجامعية تجاوز 21480 مجازاً. هذا إضافة إلى أعداد كبيرة جداً من الموفدين السوريين إلى الجامعات العالمية للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه. تقول الإحصاءات: إن نحو 70 بالمئة منهم لا يعودون إلى سورية.
أما أكثر القطاعات التي لا نعرف الكثير عن كفاءاتها فهو القطاع المهني الذي يضم المهن الحرة والأعمال اليدوية الماهرة وكبار الحرفيين في مختلف مجالات العمل والإبداع، كالعمارة والفنون البصرية والأعمال اليدوية الماهرة ..، فضلاً عن مهن البناء وفنون الطعام وغيرها الكثير. هذه المجالات الإبداعية تحتاج إلى دراسة ميدانية مستقلة لمعرفة أعداد وتوزع ومهن العاملين فيها، ونسبة الفاقد في كل مهنة، لأننا في مرحلة إعادة الإعمار القادمة سوف نفتقد وجودهم وخبراتهم..
لافتة إلى استطلاع دراسة لمعهد بحوث العمالة (IAB)، والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، والمعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW برلين) الكفاية العلمية للاجئين السوريين الذين تقدموا بطلبات للحصول على اللجوء في ألمانيا ما بين 2013-2016، يبين أن 40 بالمئة حاصلون على الشهادة الثانوية فما فوق، و22 بالمئة حاصلون على الشهادة المتوسطة، و21 بالمئة حاصلون على التعليم الأساسي من دون شهادة، و5 بالمئة ليس لديهم أي تحصيل علمي.
ونوهت الدراسة بأن سورية احتلت مراتب متفاوتة في مؤشرات جودة التعليم، إذ يتقدم مؤشر جودة النظام التعليميّ 13 مرتبة ليحتل 96/142 (2011-2012)، إلى أن أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خروج سورية من مؤشر جودة التعليم عام 2016، لعدم التزامها بمعايير الجودة في التعليم .
كما احتلت سورية مراتب متأخرة في مؤشرات التدريب، إذ احتلت المركز 110/142 في مؤشر توافر الخدمات التدريبية المخصصة ذات الجودة العالية، كما احتلت المركز 140/142 في مؤشر مدى تدريب الموظفين نظراً لضعف الاستثمار في تدريب الموظفين وتنمية مهاراتهم والمحافظة عليهم، وبالمحصلة لم يتمكن النظام التعليميُّ في سورية، رغم نجاحاته النسبية في خفض نسب الأمية ونشر التعليم وتوفيره لقطاعات واسعة من السوريين في المدن والأرياف، من التحول إلى محفز للنمو الاقتصادي، وإلى محرك أساس لدفع الإنتاجية وزيادة الدخل القومي، أي إن مردوديته الاقتصادية بقيت ضعيفة، ولم تنعكس بصورة فعالة على مستوى معيشة خرّيجيه الذين أُجبروا على البحث عن فرص وأعمال إضافية لرفع دخلهم، الأمر الذي أثر، وبشكل سلبي وعميق، في العملية التعليمية ونوعية مخرجاتها، بل امتد ذلك الأثر إلى تدني مكانة العلم والمعرفة اجتماعياً، أي إن العائد من التعليم قد تراجع مادياً واجتماعياً، فأخذت النخب المتعلمة تشعر بالهامشية والاغتراب، وتغير نظرتها إلى نفسها وأدوارها بالتوازي مع تغير نظرة المجتمع لها.
كما أن المستوى التعليميّ لقوة العمل السوريّة وبنسبة أكثر من 50 بالمئة ما زال في مستوى الثانوية وما دون، الأمر الذي يدلل على انخفاض الطلب في سوق العمل على الشرائح الأكثر تعليماً، أي معاهد متوسطة وجامعية وفوق جامعية، يشكو رأس المال البشريّ في سورية من مشكلة أخرى لا تقل تأثيراً عن تلك المتصلة بالتعليم والتدريب والبحث العلمي والعائد من التعليم، فضلاً عن بيئة العمل التي تحتضن الموارد البشرية، وهي مشكلة هجرة النخب والكفاءات والعقول التي تسبب نزيفاً تنموياً وبشرياً حاداً للرأسمال البشري في سورية، كمحصلة لتفاعل العوامل السابقة من طرف، وكواحدة من نتائج انتقال النخب والكفاءات في سوق العمل الدولية والإقليمية من طرف آخر.
وختمت الدراسة بالقول: لم تستثمر سورية في مغتربيها ولم تتمكن من بناء صلات وروابط دائمة معهم، إذ اقتصر الاهتمام بهم على قيام وزارة المغتربين على التواصل معهم وإقامة مؤتمرين لهم أسفرا عن تسهيل زيارة المغتربين لوطنهم وحل بعض مشكلاتهم، لكن هذه الجهود لم تصل إلى بناء قاعدة بيانات عنهم، ولا عن تصور أو خطة للاستفادة من إمكانياتهم، رغم وجود منظمة «نوستيا» التي أقامها العلماء والفنيون السوريون للاهتمام بشؤونهم في بلدان الاغتراب.

اقرأ أيضا

عمليات التداول في سوق الصرف تأخذ منحاً نمطياً واضحاً…والأرباح تجني عند هذا الرقم!

سينسيريا-نسرين أمين