الشريط الاقتصادي
الرئيسية / دراسات و تحقيقات / الحرف اليدوية مهددة بالاندثار …ومبادرات حكومية خجولة لانقاذها..فمن المستفيد؟!

الحرف اليدوية مهددة بالاندثار …ومبادرات حكومية خجولة لانقاذها..فمن المستفيد؟!

هبا نصر – سينسيريا

في وقت سابق من الزمن كانت أسواق المهن اليدوية تضج بالزوار والسياح، وكنت أن وقفت للحظة تشعر بالحيرة والإبهار من جمال ما تشاهد، فالحرف اليدوية تاريخ عريق من الأصالة والإبداع، وأيد ماهرة تصوغ الجمال، حرف شعبية وحكايات تروي حضارة بلد وعراقة تراثه، ففي الوقت الذي تتعالى به الأصوات للحفاظ على المهن والحرف التراثية التي تعكس تاريخ وحضارة سورية موطن الخزف وانتماء البروكار وأصالة الفخار، نجد أن جميع هذه التوجهات والنداءات الحكومية هي مبادرات خجولة وعلى أرض الواقع هناك كلام مختلف وما سمعناه من أصحاب الحرف كاف ليؤكد لنا هذا، حيث جالت “سينسريا” داخل سوق المهن اليدوية بالتكية السليمانية والتقت ببعض هؤلاء الحرفيين للإطلاع على هذه الحرف والتعرف على لمشاكل والصعوبات التي تواجه الحرفيين.
خسارة اليد العاملة
وكان لقاءنا الأول مع الحرفي محمد طلال تقي الدين العامل في مجال التوريق “العجمي”، يقول تقي الدين : أن أغلب الحرفيين عانوا من مشاكل وصعوبات نتيجة الأزمة التي مرت بها البلاد ويحاولون مقاومة جميع الصعوبات والتحديات ولكن جزء من هؤلاء الحرفيين كان قد استسلم للأمر الواقع وغادر البلاد أو تحول إلى عمل آخر يساعده للتأقلم مع الظروف الحالية. وأضاف تقي الدين أن منشآتهم كانت أغلبها في ريف دمشق وفي مناطق غير آمنة، ما اضطرهم للعمل في أحد محال التكية السليمانية وهذه المحلات مساحتها ضيقة وبينما يحتاج العمل بهذه الحرفة لمساحات أكبر ليتمكنوا من العمل بحرية، واليوم يوجد عدد قليل يعمل بهذه الحرفة بينما كانوا قبل الأزمة حوالي 150 حرفياً لأن أغلبهم غادر البلد.
وأشار إلى أن هناك مخطط تروج له بعض الدول الأوربية إذ يستغلون الخبرات وأصحاب الحرف السورية ويقومون بإجراء دراسات للحرفة اليدوية ليتم تمويلها بشرط أن يقوم صاحب الحرفة بتدريب مجموعة أشخاص من البلدان التي يتواجدون فيها.
واقع الحال
وعن أبرز المشاكل التي تواجههم ذكر تقي الدين أن ارتفاع أسعار المواد الأولية وأولها الخشب وأجور العمال من المشاكل التي تواجههم حالياً، إضافة إلى صعوبة تسويق المنتجات وعدم وجود اهتمام كافي من الجهات المعنية بأصحاب الحرف رغم وجود العديد من التوجيهات بضرورة الحفاظ على هذه الحرف اليدوية واحتضانها كونها تعكس الحضارة والتاريخ السوري.
وقال تقي الدين: مع تحسن الأوضاع نأمل بعودة حركة السياحة كما كانت في السابق، كذلك تجاوز المشاكل والصعوبات التي يعاني منها أصحاب الحرف اليدوية، وعن حرفته حدثنا تقي الدين أن العجمي عبارة عن زخارف وديكورات شرقية تعتمد على الخشب كمادة أساسية، لصناعة اللوحات الخشبية الملونة، والتي تزين البيوت الدمشقية القديمة والمساجد والصالات الكبيرة وهي ذات قيمة فنية رائعة، ويقوم الحرفيون بلصق مادة تركيبية على الخشب تعطيه بروزاً معيناً.
ندرة المواد الأولية
وعن الصعوبات والمشاكل التي تواجه العاملين بحرفة الموزاييك يقول هشام الحلبي أحد العاملين بهذه الحرفة: هناك جزء كبير من أصحاب هذه المهنة تركوا العمل، وغادروا البلد بعد أن دمرت منشآتهم في ظل الأزمة التي مرت بها البلاد، مضيفاً أن أصحاب هذه الحرف يعانون من ندرة المواد الأولية وارتفاع أسعارها وقلة السياح خاصة أن تسويق هذه المنتجات يعتمد على السياح بأغلبه، وعبر عن أسفه لفقدان الكثير من اليد الماهرة العاملة بهذه الحرفة.
هذا وتعتبر حرفة الموزاييك الدمشقي من أهم المهن الموجودة في التكية السليمانية، وأوضح الحلبي أن صناعة الموزاييك تبدأ بعملية قطع الأخشاب (الجوز، الكينا….الخ) ثم تنظف من الشوائب بآلة تسمى “الرابوت” فتصبح القطعة الخشبية ذات ملمس ناعم، ثم تجمع هذه القطع على أشكال مختلفة علبة، طاولة، اطار صورة.. شلل بحركة السياحة أنس شبيل وياسين بزاوي وياسين محفوظ مجموعة شبان يعملون بالرسم الزيتي على القماش يؤكدون صعوبة تأمين المواد اللازمة للعمل، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الأولية والتي هي مشكلة عامة لدى جميع الحرفيين إضافة لانعدام السياح إذ أن عملهم في هذه الحرفة يرتكز على السياح لترويج حرفهم وتسويقها، ويقولون رغم ذلك هناك زبائن وتجار يتم التواصل معهم وإرسال المنتج إليهم عن طريق البريد.
ويقول الحرفي أنس: أن أغلب الورش والمنشآت توقفت عن العمل أما لنزوح أصحابها، أو نتيجة تعرضها للتدمير والسرقة، ما أجبر أصحابها للهجرة بحثاً عن الاستقرار ومردود مادي مقبول.
حرف مهددة بالاندثار
البروكار حرفة تصنع على نول يدوي يتجاوز عمره/200/ سنة ويقول أحمد شكاكي وابراهيم ايوبي: حرفتنا تعتمد على السياح، واليوم حركة البيع ضعيفة أو شبه معدومة وهذا يؤثر بشكل مباشر على عملنا، إضافة لرفع أسعار مستلزمات الإنتاج خاصة الحرير الطبيعي الذي تعتمد عليه حرفة البروكار والتي تعتبر رأس الصناعات اليدوية النسيجية، وذكر الأيوبي أنه تضرر بسبب الأزمة، بعد خسارته 10 نولات يدوية.
وتمنى شكاكي وجود مركز تأهيل مهني يساعد على تدريب شرائح جديدة للاستمرار بهذه المهنة، وبالرغم من كون شكاكي والأيوبي هما الحرفيان الوحيدان المزاولان لمهنة البروكار، غير أنهم يرفضون فكرة اندثارها.
واشتكي ايوبي وشكاكي من ظاهرة امتلاك بعض المحال في التكية من قبل تجار في الوقت الذي يوجد العديد من الحرفيين الذين يحتاجون لمكان للعمل.
المجلس الأعلى للحرف التقليدية
وزارة السياحة كان لها خطوات لدعم للحرف اليدوية حيث قامت بإنشاء المجلس الأعلى للحرف اليدوية برئاسة وزارة السياحة وممثلين عن كافة الجهات الحكومية والخاصة والأهلية، ويهدف المجلس لتطوير العمل بهذه الصناعات من خلال تأمين المتطلبات الفنية والإدارية والمالية، إضافة لتنشيط وتنمية الصناعات التقليدية ورفع إنتاجيتها، وإنشاء قاعدة البيانات اللازمة للحرفيين وللحرف التقليدية لتوثيقها أصولاً، وملامسة واقع الحرفيين بشكل مباشر والعمل على معالجة وحل كافة المعوقات العمل.
متابعة قضايا الحرفيين
المهندس مرهف أبو حرب معاون مدير التنمية السياحية في وزارة السياحة أكد أن الوزارة تسعى جاهدة إلى الاهتمام بالمهن اليدوية والعمل لتطويرها وتقديم الدعم للقائمين عليها من أجل استمرارها ولاسيما التراثية منها والتي تميل إلى الاندثار وذلك في سبيل الحفاظ على الهوية التاريخية في سورية وتعمل على متابعة قضايا الحرفيين بشكل دائم والوقوف على مشاكلهم سعياً منها للحفاظ على هؤلاء الحرفيين ومنعهم من مغادرة البلد، معتبراً أن الحرفيين حالياً هم الثروة التي تمتلكها البلاد.
الترويج لتسويق المنتجات
وعن تسويق منتجات الحرفيين، تسعى وزارة السياحة إلى مساعدة الحرفيين على تسويق منتجاتهم خارجياً ذلك بالتعاون مع اتحاد المصدرين السوريين وعن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة للترويج من خلال إنشاء مواقع خاصة بالحرف التقليدية، وداخلياً عن طريق إقامة معارض داخلية.
كما وافقت غرفة صناعة وتجارة أبخازيا مؤخراً على إقامة بيت دائم بمساحة 100 متر مربع، ليكون منفذا لتصدير المنتجات الحرفية السورية لروسيا وبلدان أوروبا، باعتبار أبخازيا مقصداً للسياح الأوروبيين.
وجاء هذا الاتفاق في ختام فعاليات المنتدى السياحي الأبخازي، الذي شارك فيه اتحاد الحرفيين السوريين بمعرض خاص للمنتجات الحرفية السورية.
ضرورة توثيق الحرف
وكان اتحاد الحرفيين قد أشار إلى ضرورة توثيق الحرف التقليدية في سورية بختم رسمي منعاً لتزويرها وللحفاظ عليها كإرث حضاري سوري، لاسيما وأن هذه الظاهرة تنتشر في العديد من الدول العربية إذ يتم شراء التحف والصناعات التقليدية من سورية وبيعها ضمن أسواقهم على أنها صناعات محلية.
وللاتحاد المهني كلمته
من جانبه أشار ياسين صهيوني رئيس الاتحاد المهني لنقابات عمال الصناعات الغذائية والسياحة إلى أن الظروف التي مرت بها البلاد أثرت بشكل كبير على كافة الفعاليات السياحية وكان تأثيرها واضحاً على الحرفيين نظراً لكون السياح بكافة أشكالهم يشكلون المستهلك الرئيسي للمنتجات التقليدية .
وأكد صهيوني على المتابعة المستمرة من قبل الاتحاد المهني لكل قضايا العمال العاملين بهذه الحرف والتواصل مع وزارة السياحة لمعالجة مشاكلهم ودراسة سبل تطوير هذه الحرف والحفاظ عليها، وتأمين كل متطلبات ومستلزمات عمل الحرفيين، إضافة للبحث عن أسواق جديدة خارجية وداخلية لتسويق منتجاتهم، وإيجاد الحلول المناسبة لجميع الصعوبات والمعوقات التي يعاني منها هذه الحرف وتذليل العقبات بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة.
لابد من لفتة حكومية
المطلوب اليوم من الجهات المسؤولة مبادرات سريعة وحقيقية ترتقي لحجم هذه الحرف وأهميتها لأن هذا الوقت الضائع محسوب في توقيت العد العكسي الذي يهدد اندثار واختفاء الكثير من هذه الحرف التراثية، لذلك لابد من تنشيط الحركة الاقتصادية لسوق التكية السليمانية وإعادة إحيائه وتقديم المساعدات والتسهيلات للحرفيين، وبناء وتطوير قدرات ومهارات الحرفيين ورواد الأعمال السوريين للنهوض بالصناعات التقليدية التراثية السورية، إضافة لخلق فرص تسويقية للمنتجات الحرفيين الذين تصعب عليهم إيجاد منافذ تسويقية.

اقرأ أيضا

رحلة استعادة الليرة بعض قوتها بدأت ..وهذه مؤشراتها حسب “مداد”

سينسيريا- جلنار العلي