الشريط الاقتصادي
الرئيسية / تحت الشبهة / معمل عصائر الحمضيات “يركل” من ملعب حكومي إلى آخر… وتملص غير بريء من تأجيله المتكرر… فهل تنقذ وعود إنشائه المزارع من خسائره؟!

معمل عصائر الحمضيات “يركل” من ملعب حكومي إلى آخر… وتملص غير بريء من تأجيله المتكرر… فهل تنقذ وعود إنشائه المزارع من خسائره؟!

سينسيريا- جلنار العلي


طبخات حكومية على نار هادئة تطبخ منذ ثلاث سنوات, راسمة الكثير من الآمال التي تحولت إلى خيبات متكررة, ما شكل الكثير من إشارات الاستفهام حول أسباب الفشل المستمر في إقامته في وقت تقام العديد من المنشآت بلمح البصر.
طبختنا اليوم هي معمل عصائر الحمضيات الذي وضعته الحكومة ضمن خطتها لتصريف الحمضيات, ولحل أزمة المزارعين الذين ضجروا من كثرة الحجج والأعذار والتأجيل الذي يليه تأجيل آخر, ولكن ما هو السبب الحقيقي وراء عدم إنشاء هذا المعمل؟ على الرغم من قيام الكثير من المعامل الأخرى والتي تقل أهمية عن هذا المعمل, وبسرعة البرق لتصريف بقية المنتجات؟ ألا يجب أن نضع مصلحة هذا المزارع الذي لاحول له ولا قوة ضمن الأولويات؟ أسئلة كثيرة طرحناها للوقوف عند هذا الموضوع ولمعرفة من هو المسؤول عن ذلك والذي يجب أن يوقظ جميع الأطراف للتنبيه إلى أهمية هذا المشروع من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية, كون أمن المواطن الاقتصادي والاجتماعي هو الهدف الأول والأخير.
صرخة وجع!
’’سينسيريا’’ أراد أن يكون صوتاً لهذا المزارع الذي يعاني من تلف محاصيله وفسادها, بعد أن ماتت آخر حبة أمل بداخله, فكان المزارع محسن عدلا أول الشاكيين, والذي كانت صرخة الوجع في شكواه بادية للأذن الطرشاء, وبلهجة “الطراطسة” يقول: مزارعنا ما بقى قادر يمون شيء بالحمضيات نهائياً, أسمدة ما بقى ميحط, يا دوب يأمن حق ربطة الخبز, لأنو صابنا ضرر مادي كبير, وكل سنة بيقولولنا السنة ومنتشجع ومنزرع, والواحد ما تواخذيني عم يحرم اللقمة عن أولادو مشان يحطا ع شجرة الليمون وميطلع بدون نتيجة.
ووصل المزارع عدلا كما بقية المزارعين إلى حالة من الملل وعدم التصديق لما يقال لهم, فلم يلبي عدلا دعوة مدير مكتب الحمضيات إلى مقابلته لأن الكلام ذاته يقال في كل مرة, مشيراً في إجابة لسؤال لنا عن وجعه كفلاح, فيقول: عم تسأليني شو ميوجعنا, قليلي شو اللي ماعم يوجعنا بهالموضوع هادا, متابعاً: كيس السماد الكيماوي كان حقو 600-700 ليرة هلق صار حقو 22ألف وكسور, طيب الدولة رفعيتو هالرفع كلو, ليش ما بتنظر لحال هالمزارع اللي مو قادر أنو يسمد, فالعبوة كان حقا 50 ليرة من سنتين, هلق صار حقا 230 ليرة بالزبط, وشو بدي احكيلك عن الأدوية كمان.
أما عن سعر المبيع لكيلو الحمضيات, فيشعر عدلا بالظلم بأن الكيلو فقط بـ25 ليرة سورية, إذ أنه يكلف وهو على أمه أربعين ليرة على حد قوله, فيقول: معقول هالحكي هادا؟ هيك تشجيع المزارعين عنا؟ الحل سهل جداً أما المزارع عماد بركات, فيتمنى إقامة معمل الحمضيات, لأنه سيتم تصريف الصنف الثاني والثالث من الحمضيات, فيبقى الصنف الأول (التصديري) في السوق شارحاً ذلك: بالنسبة لمعمل العصير فإن الأصناف الثانية والثالثة جيدة وسعرها أقل من الصنف الأول, وكذلك يتم تصريف برتقال (أبو صرة) ذو الكميات الكبيرة جداً في الساحل.
أما عن حال المزارع في ظل تأخر قيام المعمل, يشير بركات إلى أن المزارع كان له نصيب كبير من الضرر, لأن الحمضيات تباع بسعر التكلفة (50-60 ليرة سورية) وهذه خسارة كبيرة على حد قوله, واصفاً حالته: هرمنا ونحنا عم نطرح مشكلتنا, عم نشكي كتير وعملو معنا لقاءات كتير, وماعم يطلع منها شي.
ويشكو بركات من سوء تصريف الكم الغزير من الحمضيات في الساحل, وعدم وجود سوق محلي يستوعب الإنتاج, وعدم وجود معامل وخط تصريف وخط خارجي, مشيراً إلى أن الكثير من المزارعين بدلوا نوع زراعتهم من الحمضيات إلى مزروعات أخرى, متابعاً: الموضوع صعب جداً, ويحتاج حل سريع, على الرغم من أن الحل سهل جداً, فتستطيع الحكومة تسعير الكيلو من الحمضيات بمئة ليرة, وكل ما يزيد عن هذا السعر يتم بيعه بالسوق.
اشتراطات يجب أن تتحقق وإلا؟؟
وبعد الاستماع إلى شكاوي المزارعين توجه ’’سينسيريا’’ إلى من بيده الحل, فكانت أول وجهاتنا هي وزارة الصناعة التي أشارت إلى أن الموضوع سلم إلى مؤسسة الصناعات الغذائية وهيئة التخطيط والتعاون الدولي, فكان لنا تصريح من مديرة التخطيط لمؤسسة الصناعات الغذائية, كفاح جقموق, التي أكدت أن المشروع تم الإعلان عنه مرتين, ولكن السعر الذي عرض على المؤسسة كان مرتفع جداً, ويفوق السعر الموضوع في الجدوى الاقتصادية بثلاثين مرة, والذي كان يبلغ 10 مليارات ليرة سورية, مشيرة إلى أن المشروع لم يتدخل فيه أي شركاء غير اتحاد الفلاحين ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والتأمينات, الذين لديهم حصة كرصيد, حيث تم التواصل معهم مؤخراً والتنسيق مع هيئة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة الصناعة ومكتب الحمضيات التابع لوزارة الزراعة, وتم التوصل إلى معاودة مخاطبة كافة الجهات نتيجة وجود الكثير من الاشتراطات في دراسة الجدوى الاقتصادية, مؤكدة أنه في حال لم تتحقق هذه الاشتراطات فإن المشروع خاسر قولاً واحداً.
هدفنا الربح فقط
وعن العائد الاجتماعي الذي سيحققه المشروع في حال قيامه تشير جقموق إلى أن المشروع مهم جداً لأنه سيحقق 160 فرصة عمل, ولكن المؤسسة الغذائية هي مؤسسة اقتصادية وهدفها الربح فلا يمكن المفاضلة بين العائد الاقتصادي والعائد الاجتماعي, لذا إذا أردنا التكلم عن المشروع من جهة المؤسسة الغذائية فهذا مشروع خاسر بحسب المعطيات الموجودة.
سعر غير عادل
وفي سؤالنا لها عن حال الفلاح في حال القيام بهذا المشروع, نوّهت جقموق بأنه خلال دراسة الجدوى الاقتصادية تم الاتفاق على سعر 25 ليرة سورية للكيلو الواحد من الحمضيات, وهذا برأيها سعر غير عادل للفلاح ولا يحقق سعر التكلفة له, بناء على ذلك تحاول المؤسسة تخفيض التكاليف الاستثمارية حتى ولو زادت تكاليف التشغيل, لكي لا يكون ذلك على حساب الفلاح أو على حساب المؤسسة, في إطار تحقيق توازن بين الطرفين, لأن المؤسسة ستحاسب على موضوع الربح والخسارة, متابعة: لا نريد أن نصل إلى نفس النتيجة بأن ننشئ معمل سنتين ثم نغلقه, وخاصة أن هذا المعمل ضخم وبتكاليف إنتاجية عالية جداً.
سعي مستمر
وعن الإجراءات القادمة التي سيتم العمل عليها, أكدت جقموق أنه تم إرسال كتب إلى كافة الجهات الشريكة في المشروع بالتعاون مع وزارة الصناعة, لتحقيق الاشتراطات التي تضمن نجاح المشروع, ومن بين هذه المراسلات تم إرسال كتاب إلى وزارة التموين التي يجب أن تمنع المنتجات المهربة في الأسواق من مادة العصائر والمكثفات, وكتاب آخر إلى وزارة الاقتصاد التي يجب أن تضمن منع استيراد المكثفات التي سيتم العمل بها في المعمل, بالإضافة إلى كتاب آخر أرسل إلى اتحاد الفلاحين لتأمين السيولة التي تؤمن هذا المبلغ ليكون ممولاً للمشروع حسب إمكانياته المتقدمة, ولأن الموضوع يخصه بشكل مباشر, مشيرة إلى أن المؤسسة في جهوزية كاملة للتنفيذ, ولكن المشكلة المانعة هي السيولة وخصوصاً بعد دخول المؤسسة بتنفيذ أربعة مشاريع للمياه بتكلفة استثمارية عالية جداً, وأيضاً كتاب آخر إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للتأكد من أنها مازالت سوف تشارك في المشروع بنسبة 35% كما كان الاتفاق في السابق, وكتاب آخر إلى السورية للتجارة المسؤولة عن التصريف عبر منافذها, لضمان أنها ستكفل بيع المنتج, مشيرة إلى أن المؤسسة في انتظار الإجابة عن هذه الأسئلة.
دور القطاع الخاص
وفي خصوص مشاركة القطاع الخاص أشارت جقموق إلى أنه لا يوجد أي مشاركة منه, مع العلم أنه يفترض مشاركته وخاصة وجود ثلاثة معامل لعصائر الحمضيات تابعة للقطاع الخاص موجودة في المعامل, بطاقة إنتاجية تبلغ 122 ألف طن, فمشاركتهم تدعم الفلاح, وتخفف عبء, فيجب تقديم التسهيلات لهذا القطاع لتحفيزه على المشاركة.
مراكز تجميعية
وعن دور اتحاد غرف الزراعة تؤكد جقموق أن له دور كبير في المشروع, فيجب أن يؤمن التصريف ويحدد سعر المنتج, وأن يدعم الفلاح من خلال المراكز التجميعية لتأمين المادة الأولية منها وتوصيلها إلى المعمل.
ليس لدينا أمر تصريح
وعند توجهنا إلى هيئة التخطيط والتعاون الدولي, وفور طرحنا للسؤال, “أين وصلتم في معمل عصائر الحمضيات؟” كانت الإجابة حاضرة, ” ليس لدينا أي أمر بالتصريح عن المعمل, فلا زلنا ندرس الجدوى الاقتصادية.
عدم توفر كميات كافية
وللأخذ بآراء الخبراء, أجرى ’’سينسيريا’’ لقاء خاص مع مستشار اتحاد غرف الزراعة المهندس عبد الرحمن قرنفلة الذي قسم إجابته إلى منحيين, المنحى الأول تحدث فيه عن ما يحصل على أرض الواقع, حيث أكد أن وزارة الصناعة أنجزت دراسة جدوى اقتصادية وفنية لإقامة المصنع, حيث أشارت الدراسة إلى عدم توفر كميات من الثمار التصنيعية تكفل تشغيل المصنع بشكل اقتصادي.
حزمة مواصفات
أما المنحى الثاني كان عبارة عن وجهة نظر فنية زراعية, فأكد قرنفلة أن صناعة عصائر الحمضيات تتطلب حزمة من المواصفات التكنولوجية تتعلق بطبيعة الثمرة, وترتبط بالصنف وطرق الزراعة والعمليات الزراعية التي تخضع لها الأشجار والثمار ومواعيد النضج ودرجته وموعد الجني أو القطاف وطريقة النقل, وكذلك طبيعة خطوط الإنتاج, ومن خلال تدقيق الواقع الراهن تبين أن نسبة صغيرة من الأصناف المزروعة لدينا تمتلك المواصفات المطلوبة للتصنيع.
خارطة جديدة
وأكد قرنفلة أن مكتب بحوث الحمضيات يعمل حالياً على إعادة دراسة الأصناف المزروعة, بهدف رسم خارطة جديدة لزراعة الحمضيات تضمن توفير أصناف تصنيعية من خلال عملية التربية والتطعيم لبعض الأصناف المزروعة, وكذلك تدريب المزارعين على العمليات الزراعية الفنية المطلوبة لتلك الأصناف, مشيراً إلى أن كل ما سبق يحتاج بعض الوقت والتعاون بين المزارعين وأجهزة وزارة الزراعة والإرشاد الزراعي والجهات المسؤولة عن التسويق. نأمل أخيراً النظر إلى حال المزارع الذي بات يشد من الضعف قوة, لكي يستمر ويعيش عائلته, وما يطلبه فقط حقه, دون طلب المزيد.

اقرأ أيضا

“دراويش” ثروتنا الحيوانية يخسرون من “كيسهم” يومياً..والوعود “الكمونية” لا تنقذ أرزاقهم من الضياع؟!

سينسيريا- جلنار العلي