الشريط الاقتصادي
الرئيسية / اقتصادوفوبيا / هكذا رخصنا الفساد!

هكذا رخصنا الفساد!

سينسيريا- علي محمود جديد

يرتبطُ الفسادُ أحياناً بسلسلةٍ من الحلقات المُتتابعة، والتي تُشكّلُ مع بعضها طوقاً متكاملاً لا يصحُّ إلاّ بهذا النوع من الارتباط الوثيق، ولا تستطع أية حلقة أن تتراجع بعد أن تأخذَ مكانها في الطوق، لأنها بمقتضى الحال تكون مرتبطة بالحلقة التي قبلها، وبتلك الحلقة التي تأتي بعدها، مع أنّ كل هذه الحلقات تكون معنيّة بالتزام العمل الصحيح ضمن الأصول والقانون.

هذه الحلقات صارت تمتلك الخبرة الكافية في طرق الكشف عن ثغرات قانونية، تستطيع من خلالها التطاول على المال العام دون أن يحصل أي مساسٍ واضح ببنود القانون، ولكن هذا المساس يكون مفضوحاً إن أراد من عليه التدقيق أن يُدقق، وهذا يحصل على نطاق واسع في المناقصات والعقود التجارية والتشغيلية، وفي التعهدات الثانوية، بالإضافة إلى النزيف اليومي المستمر للمال العام في أعمال لجان الشراء.

هي في الحقيقة ليست ثغراتٍ قانونية، أكثر مما هي كبواتٍ للضمائر، كاللص الذي يقرر ويتعمّد السرقة ويفعلها، فهذا لا يعني أنّ هناك ثغرة في فضيلة الأمانة، مهما كان محترفاً وناجحاً في سرقته، فللأمانة أركان معروفة، واختراقها لا يعني ضعفها ولا هوانها، وكذلك الأمر بالنسبة للقانون في كثير من الأحيان، فالالتفاف عليه وتعمّد اختراقه وإن كان الاختراق احترافياً فهذا لا يعني إطلاقاً خللٌ فيه، ولا يعني ضعفاً في وجوب التطبيق.

الدليل على ذلك أن اللجان المتخصصة في الاقتناص، وفي إطار تمكينها للفساد، سرعان ما تستنفر وترتبك إن جاء أحد الشرفاء ( بالغلط ) إلى هذه اللجان وانضمّ إليها، فهو يعي ما يحصل، ولن يسكت، وبمجرد محاولته الشروع بضبط الأحوال، ووضع الأمور في نصابها، تتخلخل تلك الحلقات، ويصيرُ هو – كحلقة – لا ينضبطُ في عملية الارتباط مع الحلقات المجاورة، التي تصير مهدّدة بالانفراط، فيختلقون له ألف حجة، ويفبركون له الاتهامات، من عدم الدراية وقلة الكفاءة، وضرورة تغييرة من اللجنة لأنه شخص يُعرقل الأعمال.. ولا يتفهّم حركة السوق ولا نشاطه .. !!

هذه الحالات وبكل أسف تُمكّن الفاسدين من مواقعهم أكثر، وتُجذّرهم، كما أنها تُهمش العازمين على تعهّد الأعمال، وتُعطي الأولوية لمن يدفع أكثر، لا لمن هو الأجدر والأكفأ.

طبعاً الإدارة تكون قد أخذت بالسرّ علماً بحقيقة ما حصل، ولكنها تتعاطى مع الأمور بالشكل المُفبرك، فيتغيّر الشخص على أساس قلة الخبرة وانعدام الكفاءة وعرقلة الأعمال، تحسّباً لأي تدقيقٍ لاحق، وهكذا تكون الإدارة قد أصدرت قراراً حقيقياً تمنح بموجبه الفاسدين رخصة.

اقرأ أيضا

سيولة مالية كبيرة ومعامل تنتظر التمويل والترميم…فلماذا لا يطلق سراح القروض بشروط ميسرة؟!

سينسيريا-خاص