الرئيسية / تحت الشبهة / إعفاءات غير مسبوقة وإسقاط للمشروعات الصغيرة والمتوسطة …فمن المستفيد من إعداد مشروع قانون استثمار جديد يهدر المال العام؟!

إعفاءات غير مسبوقة وإسقاط للمشروعات الصغيرة والمتوسطة …فمن المستفيد من إعداد مشروع قانون استثمار جديد يهدر المال العام؟!

تعد فكرة عرض مشروع قانون الاستثمار الجديد على موقع رئاسة مجلس الوزراء بغية إبداء الملاحظات عليه من أهل الاختصاص أمراً جيداً، لكن عند قراءة بنوده يظهر جلياً للباحثين الاقتصاديين أن نسفاً كاملاً لمشروع هيئة الاستثمار، التي كانت تتغنى به قد جرى من دون معرفة الأسباب، فالمشروع تضمن مواد قد تفلح بطريقة ما في جذب المستثمرين عبر منحهم إعفاءات غير مسبوقة، لكن للأسف ذلك سيكون على حساب عائدات الخزينة بينما يفترض أن يكون الاستثمار داعماً أساسياً للاقتصاد المحلي وليس عبئاً عليه، من دون أن يقابل ذلك منح الحوافز ذاتها للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي ذكرت على استحياء في المشروع، الذي لحظ تقزيمه دور هيئة الاستثمار إلى درجة كبيرة عبر اقتصار دورها على نقاط محددة تضعها في مرتبة مكتب للاستثمار بينما يفترض منحها الصلاحية الكاملة لتولي شؤون الاستثمار وإدارته على نحو مرن وشفاف، وهو ما استوقف عدداً من الباحثين الاقتصاديين، الذين رفعوا الصوت مطالبين بالتدقيق أكثر في بنود هذا القانون وعدم التسرع في إصداره وخاصة أنه برأي هؤلاء الباحثين الاقتصاديين سيترك ندبات على البيئة الاستثمارية في المرحلة القادمة بدل المأمول منه في إيجاد بيئة قانونية جاذبة تنشط الواقع الاستثماري ولاسيما عند البدء في مرحلة إعادة الإعمار.

 

اشارات استفهام

يلاحظ عند قراءة بنود قانون الاستثمار الجديد أنه يختلف كلياً عما روجت له هيئة الاستثمار السورية في الفترة الماضية، حيث كانت من أشد المدافعين عنه لجهة اعتباره عصرياً ومناسباً للمرحلة القادمة وخاصة في تركيزه على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولاسيما في القطاعين الزراعي والصناعي، مع منح المستثمر حوافز مشجعة تحفظ حق المستثمر والدولة، مع العمل على تبسيط الإجراءات ومنح تسهيلات معينة تعجّل حصول المستثمر على التراخيص والإجازات المطلوبة لبدء مشروعه، وهذا يتطلب إعطاء هيئة الاستثمار صلاحيات واسعة تضمن إزالة العقبات وتقديم التسهيلات المطلوبة لجذب الاستثمارات المطلوبة للاقتصاد الوطني، لكن للأسف جميع هذه النقاط سحبت في القانون الجديد بعد مناقشته مراراً وتكراراً مع الجهات المعنية، ليصار إلى اعتماد النسخة الأخيرة المنشورة على موقع رئاسة مجلس الوزراء، ما جعل الباحثين الاقتصاديين يتساءلون: لماذا يركن إلى إصدار قانون جديد إذا لم يكن أفضل من سابقه ويعالج ثغراته بعد تقييم منطقي وموضوعي لها، بحيث يكون متلائماً مع المرحلة الحالية ومتطلباتها، لا أن يسهم إصداره في ترك أثر سلبي على الواقع الاستثماري خصوصا ًوالاقتصادي عموماً؟.

 

مثير للجدل

انتقادات عديدة طالت مشروع قانون الاستثمار الجديد من قبل الباحثين الاقتصاديين، بغية عدم تمريره بهذا الصيغة التي لن تخدم تطوير واقع الاستثمار، بل سيخدم مجموعة من المستثمرين دون غيرهم، وهنا تؤكد الباحثة الاقتصادية د. رشا سيروب أن مشروع قانون الاستثمار يعد أحد أكثر الموضوعات إثارة للجدل في سورية لهذا العام وأكثرها حساسية (بعد موضوع مكافحة الفساد)، فبعد مرور 11 عاماً على صدور النسخة الثانية من قانون الاستثمار بموجب المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2007، طرحت الحكومة مشروع نسختها الثالثة على موقع رئاسة مجلس الوزراء ليحل مكان النسخة الثانية من دون تقييم تجربة الاستثمار التي تمت بموجب المرسوم السابق والتي لم تتجاوز فعلياً 3 سنوات بسبب بدء الأحداث في سورية.

وأكدت سيروب أن ما يؤخذ على هذا المشروع أن الحكومة لم تبين موجبات النسخة الجديدة ولم تتطرق إلى سلبيات النسخة السابقة – وهو الإجراء المنطقي والطبيعي الذي يفترض أن يترافق مع أي قانون أو مرسوم أو حتى قرار- إذ لم توضح ما هي طبيعة المشكلات التي كانت موجودة في النسخة الثانية وحرصت على تلافيها في المشروع الحالي، وتم الاكتفاء بالتصريحات الرسمية بأنه ضرورة للمرحلة القادمة وإجراء أساسي لمرحلة إعادة الإعمار من دون أن يترافق ذلك مع بيان عدد فرص العمل المتوقع أن يتم إحداثها، ومعدل النمو الاقتصادي المخطط له، وحجم الاستثمارات المخطط استقطابها…وغيرها؛ لذلك فإن مناقشة هذا المشروع من دون الإشارة إلى أهم العيوب التي كانت موجودة في السابق ومن دون بيان الأسباب الموجبة تجعل المشروع مثيراً للجدل.

 

إرهاق لخزينة الدولة

ولفتت سيروب إلى أنه أكثر ما يثير الريبة في هذا المشروع عدم التصريح بالتكاليف التقديرية التي ستتحملها الخزانة العامة للدولة في حال تطبيق هذا القانون، والتي ستنجم عما يسمى «الحوافز الضريبية» نتيجة الحسومات الضريبية التي قد تصل إلى 100% ولسنوات تصل إلى 14 عاماً (المادة 21)، وعن «الحوافز غير الضريبية» وهي عبارة عن حجم النفقات التي ستتكبدها الخزانة العامة نيابة عن المستثمر المنصوص عنها في (المادة 22) والتي تشير إلى «تحمل الحكومة جزءاً من التكاليف التشغيلية (الكهرباء – الطاقة – سعر الفائدة- جزء من حصة رب العمل من التأمينات الاجتماعية….إلخ) من خلال صندوق دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات»، من دون أن يحدد نص المادة سقفاً (حد أقصى) لهذا (الجزء) والذي كان محدداً في المشروع الأول (قبل التعديل بـ 50%)، يضاف إلى ذلك أن الإعفاءات شملت قطاعات لا تحتاج إلى دعم ولا تشكل أولوية مثل الجامعات الخاصة والمشافي الخاصة والسياحة ومشاريع الشحن البري وغيرها من القطاعات التي أشبع منها السوق كمياً (وليس نوعياً).

وتشير د.سيروب إلى أن هذا السخاء والتوسع في الإعفاءات الضريبية يعدان هدراً للموارد العامة للدولة، فالإعفاءات الضريبية هي نفقات ترهق كاهل الموازنة العامة للدولة، وبالتالي ستحول دون قدرة الحكومة على زيادة حجم الإنفاق العام وخاصة على المدى المنظور. وتكمن خطورة هذه الإعفاءات بأنها نفقات ذات طبيعة تحويلية تنتقل الموارد من خلالها من المحتاجين إلى الميسورين وهو ما يتناقض مع الأولويتين الثانية والثالثة الواردة في البيان الوزاري للحكومة في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية وتحسين المستوى المعيشي وخاصة خلال السنوات الأولى لتطبيق القانون.

وبينت سيروب أن مشروع القانون يكشف عن تناقض بين فكر الحكومة السياسي وفكرها الاقتصادي, فكيف يمكن منح إعفاءات ضريبية في الوقت الذي تحتاج فيه سورية زيادة الإنفاق؟ وكيف تفرض الضرائب على المواطن الذي يعاني من تدهور القوة الشرائية مقابل إعفاء المستثمر من سدادها ولسنوات؟.

 

الإعفاءات ليست المحفز الأساسي

وهنا لا يتفق الباحث الاقتصادي د.عابد فضلية كلياً مع كلام سيروب لناحية تأثير الإعفاءات في الخزينة العامة بتأكيد أن الإعفاءات لا تعد المحفز الأساسي والوحيد للمستثمر، حيث توجد محفزات أخرى أكثر أهمية بالنسبة له كالسرعة في منح التراخيص وتأمين البنية اللوجستية من مرافق وخدمات وتسهيل تأمين الإنتاج، مؤكداً أنه في حال منح المستثمرين إعفاءات مجزية فلا بأس، فمن وجهة نظره ما يفوت على الخزينة العامة من جراء هذه الإعفاءات في السنوات الأولى سوف يعادلها لاحقاً على الأقل من ناحية دعم الإنتاج والليرة وتشغيل العمال بحيث تحقق قيمة مضاعفة وهذا يكون عند الاستثمار في المشاريع الإنتاجية الصناعية والزراعية والتصديرية، مشدداً على أن المستثمر الجدي تشكل الإعفاءات لديه رقم 10 بينما يركز على النواحي التي تحقق له ربحية في المشروع كالبنية التحتية وتأمين مستلزمات الإنتاج والخدمات الأساسية.

 

طبقة جديدة من رجال الأعمال

ورأت د.سيروب من جهة ثانية أن المشروع يؤدي إلى خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال وإحلالها مكان القديمة، حيث إن هذا القانون من شأنه إلحاق الضرر بالمشروعات القائمة لمصلحة المشروع الجديد، إذ ستؤدي الميزات الممنوحة للمشروعات الجديدة إلى تقليل القدرة التنافسية للمشروعات القائمة سابقاً.

ويؤخذ على المشروع أيضاً, حسب سيروب, خلوه من الميزات والتحفيز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، واقتصر التحفيز على الحوافز غير الضريبية عن طريق (تنفيذ برامج تدريبية خاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة) (المادة 22)، وهذا يعطي مؤشراً على عدم جدية الحكومة في وضع المشروعات الصغيرة والمتوسطة على سلم أولوياتها وفقاً لتصريحاتها المتكررة.

 

لا مشكلة.. وعناية خاصة

د.فضلية لم ير مشكلة في عدم ذكر المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مشروع الاستثمار الجديد، فهذا, برأيه, لا يفقدها أهميتها ولا يعني أنها أهملت، فهي يفترض أن يكون لها عناية خاصة وتشريعات مختلفة من قبل جهات أخرى، وتحديداً المشاريع المتناهية الصغر، لكن بالعموم الاقتصاد المحلي يحتاج جميع المشاريع بمختلف الحجوم، لكن يجب منح المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر العناية بشكل مضمون وحتمي وتحفيزها نظراً لأهميتها في تشغيل العامة وإيجاد دخل للأسر.

 

مناطق خاصة اقتصادية.. هي الأخطر

تعود د.سيروب للتحدث عن ثغرات مشروع الاستثمار بحيث تؤكد أن أخطر ما جاء في المشروع هو المنطقة الخاصة وهي أحد أشكال المناطق الاقتصادية والتي تحدث بناء على طلب أحد المستثمرين على ملكية خاصة له (كما ورد في المادة 26) ويتضمن قرار إحداثها الحوافز الاستثمارية، إضافة إلى أن العديد من النقاط يتم تحديدها من خلال قرارات إدارية، وهو ما يعني إمكانية تغييرها مع كل تغيير حكومي أو موظف إداري ما قد يفتح الباب على مصراعيه للفساد والتلاعب وإعطاء امتيازات لمستثمر دون الآخر، لذا من الأجدر تحديد الامتيازات والمناطق الاقتصادية والإنمائية بموجب القانون درءاً لاحتمالات ظهور الفساد.

تقييم التجربة

تقرن د.سيروب انتقاداتها لمشروع قانون الاستثمار بضرورة تقييم التجربة السابقة لقانوني الاستثمار، حيث تؤكد أن بيانات وضع الاستثمار الدولي بأن الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر في سورية لنهاية عام 2010 تشير إلى أنه لم يتجاوز 9,939 مليارات دولار، علماً أن حجم النقد والودائع للسوريين الموجودة في الخارج تجاوزت 8,638 مليارات دولار.

ورغم كل التسهيلات التي مُنحت للمستثمرين إلا أنها لم تتمكن، والحديث لسيروب، من ضمان تدفق الرأسمال الأجنبي المباشر الذي لم يتجاوز 8 مليارات دولار خلال الفترة 2005-2010، وفي ذات الفترة بلغت حجم الأموال التي خرجت من سورية بصورة أرباح موزعة عن الاستثمار المباشر 7,85 مليارات دولار، أي إنه خلال الخمس سنوات لم يتجاوز صافي الاستثمار الأجنبي 138 مليون دولار.

وهذا يضعنا أمام حقيقة مفادها، حسب سيروب، أن القانون وحده لا يكفي لجذب المستثمرين وتوجيه الاستثمارات إلى القنوات المرغوبة، وأن مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال هما المحدد الرئيسي في جذب الاستثمارت، فالمستثمرون لا ينظرون إلى الحوافز والإعفاءات المقدمة بقدر ما يهتمون بمناخ الشفافية والإفصاح والحوكمة والبيروقراطية؛ ففي تقرير ممارسة أنشطة الأعمال احتلت سورية المرتبة 174 من أصل 190 دولة، في حين إن سورية لم تصنف على مؤشر الحرية الاقتصادية، وهذا يستدعي العمل على مجمل السياسات الاقتصادية (استثمارية ومالية ونقدية وتجارية…إلخ) وتطوير المحددات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال، إلى جانب تحقق الاستقرار الأمني والسياسي الذي يشكل أهم تحد للمرحلة القادمة، ما يجعل من قانون الاستثمار شرطاً غير لازم وليس كافياً في المرحلة الحالية وفي غير أوانه.

 

حماية للمستثمرين الجدد

وأنهت الباحثة الاقتصادية سيروب حديثها بأن مشكلة سورية في الاستثمار الخاص تكمن في غياب تشخيص واقعي لأسباب تدهور مناخ الاستثمار في البلاد وهروب رؤوس الأموال المحلية وعدم رغبة رؤوس الأموال الأجنبية بالاستثمار داخل سورية، إذ لا توجد رؤية استراتيجية واضحة للمرحلة القادمة، ولا تبذل الجهود الحقيقية الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال من خلال الحوكمة ومكافحة الفساد وغيرها من الإجراءات، بالتالي يمكن القول: إن هذا المشروع لا يرقى إلى تحديات المرحلة الراهنة والقادمة، وأقل ما يمكن القول عنه: إنه قانون ضمان وحماية لمستثمرين جدد أكثر من كونه قانون تشجيع استثمار.

تشرين

تعد فكرة عرض مشروع قانون الاستثمار الجديد على موقع رئاسة مجلس الوزراء بغية إبداء الملاحظات عليه من أهل الاختصاص أمراً جيداً، لكن عند قراءة بنوده يظهر جلياً للباحثين الاقتصاديين أن نسفاً كاملاً لمشروع هيئة الاستثمار، التي كانت تتغنى به قد جرى من دون معرفة الأسباب، فالمشروع تضمن مواد قد تفلح بطريقة ما في جذب المستثمرين عبر منحهم إعفاءات غير مسبوقة، لكن للأسف ذلك سيكون على حساب عائدات الخزينة بينما يفترض أن يكون الاستثمار داعماً أساسياً للاقتصاد المحلي وليس عبئاً عليه، من دون أن يقابل ذلك منح الحوافز ذاتها للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي ذكرت على استحياء في المشروع، الذي لحظ تقزيمه دور هيئة الاستثمار إلى درجة كبيرة عبر اقتصار دورها على نقاط محددة تضعها في مرتبة مكتب للاستثمار بينما يفترض منحها الصلاحية الكاملة لتولي شؤون الاستثمار وإدارته على نحو مرن وشفاف، وهو ما استوقف عدداً من الباحثين الاقتصاديين، الذين رفعوا الصوت مطالبين بالتدقيق أكثر في بنود هذا القانون وعدم التسرع في إصداره وخاصة أنه برأي هؤلاء الباحثين الاقتصاديين سيترك ندبات على البيئة الاستثمارية في المرحلة القادمة بدل المأمول منه في إيجاد بيئة قانونية جاذبة تنشط الواقع الاستثماري ولاسيما عند البدء في مرحلة إعادة الإعمار.

 

اشارات استفهام

يلاحظ عند قراءة بنود قانون الاستثمار الجديد أنه يختلف كلياً عما روجت له هيئة الاستثمار السورية في الفترة الماضية، حيث كانت من أشد المدافعين عنه لجهة اعتباره عصرياً ومناسباً للمرحلة القادمة وخاصة في تركيزه على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولاسيما في القطاعين الزراعي والصناعي، مع منح المستثمر حوافز مشجعة تحفظ حق المستثمر والدولة، مع العمل على تبسيط الإجراءات ومنح تسهيلات معينة تعجّل حصول المستثمر على التراخيص والإجازات المطلوبة لبدء مشروعه، وهذا يتطلب إعطاء هيئة الاستثمار صلاحيات واسعة تضمن إزالة العقبات وتقديم التسهيلات المطلوبة لجذب الاستثمارات المطلوبة للاقتصاد الوطني، لكن للأسف جميع هذه النقاط سحبت في القانون الجديد بعد مناقشته مراراً وتكراراً مع الجهات المعنية، ليصار إلى اعتماد النسخة الأخيرة المنشورة على موقع رئاسة مجلس الوزراء، ما جعل الباحثين الاقتصاديين يتساءلون: لماذا يركن إلى إصدار قانون جديد إذا لم يكن أفضل من سابقه ويعالج ثغراته بعد تقييم منطقي وموضوعي لها، بحيث يكون متلائماً مع المرحلة الحالية ومتطلباتها، لا أن يسهم إصداره في ترك أثر سلبي على الواقع الاستثماري خصوصا ًوالاقتصادي عموماً؟.

 

مثير للجدل

انتقادات عديدة طالت مشروع قانون الاستثمار الجديد من قبل الباحثين الاقتصاديين، بغية عدم تمريره بهذا الصيغة التي لن تخدم تطوير واقع الاستثمار، بل سيخدم مجموعة من المستثمرين دون غيرهم، وهنا تؤكد الباحثة الاقتصادية د. رشا سيروب أن مشروع قانون الاستثمار يعد أحد أكثر الموضوعات إثارة للجدل في سورية لهذا العام وأكثرها حساسية (بعد موضوع مكافحة الفساد)، فبعد مرور 11 عاماً على صدور النسخة الثانية من قانون الاستثمار بموجب المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2007، طرحت الحكومة مشروع نسختها الثالثة على موقع رئاسة مجلس الوزراء ليحل مكان النسخة الثانية من دون تقييم تجربة الاستثمار التي تمت بموجب المرسوم السابق والتي لم تتجاوز فعلياً 3 سنوات بسبب بدء الأحداث في سورية.

وأكدت سيروب أن ما يؤخذ على هذا المشروع أن الحكومة لم تبين موجبات النسخة الجديدة ولم تتطرق إلى سلبيات النسخة السابقة – وهو الإجراء المنطقي والطبيعي الذي يفترض أن يترافق مع أي قانون أو مرسوم أو حتى قرار- إذ لم توضح ما هي طبيعة المشكلات التي كانت موجودة في النسخة الثانية وحرصت على تلافيها في المشروع الحالي، وتم الاكتفاء بالتصريحات الرسمية بأنه ضرورة للمرحلة القادمة وإجراء أساسي لمرحلة إعادة الإعمار من دون أن يترافق ذلك مع بيان عدد فرص العمل المتوقع أن يتم إحداثها، ومعدل النمو الاقتصادي المخطط له، وحجم الاستثمارات المخطط استقطابها…وغيرها؛ لذلك فإن مناقشة هذا المشروع من دون الإشارة إلى أهم العيوب التي كانت موجودة في السابق ومن دون بيان الأسباب الموجبة تجعل المشروع مثيراً للجدل.

 

إرهاق لخزينة الدولة

ولفتت سيروب إلى أنه أكثر ما يثير الريبة في هذا المشروع عدم التصريح بالتكاليف التقديرية التي ستتحملها الخزانة العامة للدولة في حال تطبيق هذا القانون، والتي ستنجم عما يسمى «الحوافز الضريبية» نتيجة الحسومات الضريبية التي قد تصل إلى 100% ولسنوات تصل إلى 14 عاماً (المادة 21)، وعن «الحوافز غير الضريبية» وهي عبارة عن حجم النفقات التي ستتكبدها الخزانة العامة نيابة عن المستثمر المنصوص عنها في (المادة 22) والتي تشير إلى «تحمل الحكومة جزءاً من التكاليف التشغيلية (الكهرباء – الطاقة – سعر الفائدة- جزء من حصة رب العمل من التأمينات الاجتماعية….إلخ) من خلال صندوق دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات»، من دون أن يحدد نص المادة سقفاً (حد أقصى) لهذا (الجزء) والذي كان محدداً في المشروع الأول (قبل التعديل بـ 50%)، يضاف إلى ذلك أن الإعفاءات شملت قطاعات لا تحتاج إلى دعم ولا تشكل أولوية مثل الجامعات الخاصة والمشافي الخاصة والسياحة ومشاريع الشحن البري وغيرها من القطاعات التي أشبع منها السوق كمياً (وليس نوعياً).

وتشير د.سيروب إلى أن هذا السخاء والتوسع في الإعفاءات الضريبية يعدان هدراً للموارد العامة للدولة، فالإعفاءات الضريبية هي نفقات ترهق كاهل الموازنة العامة للدولة، وبالتالي ستحول دون قدرة الحكومة على زيادة حجم الإنفاق العام وخاصة على المدى المنظور. وتكمن خطورة هذه الإعفاءات بأنها نفقات ذات طبيعة تحويلية تنتقل الموارد من خلالها من المحتاجين إلى الميسورين وهو ما يتناقض مع الأولويتين الثانية والثالثة الواردة في البيان الوزاري للحكومة في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية وتحسين المستوى المعيشي وخاصة خلال السنوات الأولى لتطبيق القانون.

وبينت سيروب أن مشروع القانون يكشف عن تناقض بين فكر الحكومة السياسي وفكرها الاقتصادي, فكيف يمكن منح إعفاءات ضريبية في الوقت الذي تحتاج فيه سورية زيادة الإنفاق؟ وكيف تفرض الضرائب على المواطن الذي يعاني من تدهور القوة الشرائية مقابل إعفاء المستثمر من سدادها ولسنوات؟.

 

الإعفاءات ليست المحفز الأساسي

وهنا لا يتفق الباحث الاقتصادي د.عابد فضلية كلياً مع كلام سيروب لناحية تأثير الإعفاءات في الخزينة العامة بتأكيد أن الإعفاءات لا تعد المحفز الأساسي والوحيد للمستثمر، حيث توجد محفزات أخرى أكثر أهمية بالنسبة له كالسرعة في منح التراخيص وتأمين البنية اللوجستية من مرافق وخدمات وتسهيل تأمين الإنتاج، مؤكداً أنه في حال منح المستثمرين إعفاءات مجزية فلا بأس، فمن وجهة نظره ما يفوت على الخزينة العامة من جراء هذه الإعفاءات في السنوات الأولى سوف يعادلها لاحقاً على الأقل من ناحية دعم الإنتاج والليرة وتشغيل العمال بحيث تحقق قيمة مضاعفة وهذا يكون عند الاستثمار في المشاريع الإنتاجية الصناعية والزراعية والتصديرية، مشدداً على أن المستثمر الجدي تشكل الإعفاءات لديه رقم 10 بينما يركز على النواحي التي تحقق له ربحية في المشروع كالبنية التحتية وتأمين مستلزمات الإنتاج والخدمات الأساسية.

 

طبقة جديدة من رجال الأعمال

ورأت د.سيروب من جهة ثانية أن المشروع يؤدي إلى خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال وإحلالها مكان القديمة، حيث إن هذا القانون من شأنه إلحاق الضرر بالمشروعات القائمة لمصلحة المشروع الجديد، إذ ستؤدي الميزات الممنوحة للمشروعات الجديدة إلى تقليل القدرة التنافسية للمشروعات القائمة سابقاً.

ويؤخذ على المشروع أيضاً, حسب سيروب, خلوه من الميزات والتحفيز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، واقتصر التحفيز على الحوافز غير الضريبية عن طريق (تنفيذ برامج تدريبية خاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة) (المادة 22)، وهذا يعطي مؤشراً على عدم جدية الحكومة في وضع المشروعات الصغيرة والمتوسطة على سلم أولوياتها وفقاً لتصريحاتها المتكررة.

 

لا مشكلة.. وعناية خاصة

د.فضلية لم ير مشكلة في عدم ذكر المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مشروع الاستثمار الجديد، فهذا, برأيه, لا يفقدها أهميتها ولا يعني أنها أهملت، فهي يفترض أن يكون لها عناية خاصة وتشريعات مختلفة من قبل جهات أخرى، وتحديداً المشاريع المتناهية الصغر، لكن بالعموم الاقتصاد المحلي يحتاج جميع المشاريع بمختلف الحجوم، لكن يجب منح المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر العناية بشكل مضمون وحتمي وتحفيزها نظراً لأهميتها في تشغيل العامة وإيجاد دخل للأسر.

 

مناطق خاصة اقتصادية.. هي الأخطر

تعود د.سيروب للتحدث عن ثغرات مشروع الاستثمار بحيث تؤكد أن أخطر ما جاء في المشروع هو المنطقة الخاصة وهي أحد أشكال المناطق الاقتصادية والتي تحدث بناء على طلب أحد المستثمرين على ملكية خاصة له (كما ورد في المادة 26) ويتضمن قرار إحداثها الحوافز الاستثمارية، إضافة إلى أن العديد من النقاط يتم تحديدها من خلال قرارات إدارية، وهو ما يعني إمكانية تغييرها مع كل تغيير حكومي أو موظف إداري ما قد يفتح الباب على مصراعيه للفساد والتلاعب وإعطاء امتيازات لمستثمر دون الآخر، لذا من الأجدر تحديد الامتيازات والمناطق الاقتصادية والإنمائية بموجب القانون درءاً لاحتمالات ظهور الفساد.

تقييم التجربة

تقرن د.سيروب انتقاداتها لمشروع قانون الاستثمار بضرورة تقييم التجربة السابقة لقانوني الاستثمار، حيث تؤكد أن بيانات وضع الاستثمار الدولي بأن الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر في سورية لنهاية عام 2010 تشير إلى أنه لم يتجاوز 9,939 مليارات دولار، علماً أن حجم النقد والودائع للسوريين الموجودة في الخارج تجاوزت 8,638 مليارات دولار.

ورغم كل التسهيلات التي مُنحت للمستثمرين إلا أنها لم تتمكن، والحديث لسيروب، من ضمان تدفق الرأسمال الأجنبي المباشر الذي لم يتجاوز 8 مليارات دولار خلال الفترة 2005-2010، وفي ذات الفترة بلغت حجم الأموال التي خرجت من سورية بصورة أرباح موزعة عن الاستثمار المباشر 7,85 مليارات دولار، أي إنه خلال الخمس سنوات لم يتجاوز صافي الاستثمار الأجنبي 138 مليون دولار.

وهذا يضعنا أمام حقيقة مفادها، حسب سيروب، أن القانون وحده لا يكفي لجذب المستثمرين وتوجيه الاستثمارات إلى القنوات المرغوبة، وأن مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال هما المحدد الرئيسي في جذب الاستثمارت، فالمستثمرون لا ينظرون إلى الحوافز والإعفاءات المقدمة بقدر ما يهتمون بمناخ الشفافية والإفصاح والحوكمة والبيروقراطية؛ ففي تقرير ممارسة أنشطة الأعمال احتلت سورية المرتبة 174 من أصل 190 دولة، في حين إن سورية لم تصنف على مؤشر الحرية الاقتصادية، وهذا يستدعي العمل على مجمل السياسات الاقتصادية (استثمارية ومالية ونقدية وتجارية…إلخ) وتطوير المحددات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال، إلى جانب تحقق الاستقرار الأمني والسياسي الذي يشكل أهم تحد للمرحلة القادمة، ما يجعل من قانون الاستثمار شرطاً غير لازم وليس كافياً في المرحلة الحالية وفي غير أوانه.

 

حماية للمستثمرين الجدد

وأنهت الباحثة الاقتصادية سيروب حديثها بأن مشكلة سورية في الاستثمار الخاص تكمن في غياب تشخيص واقعي لأسباب تدهور مناخ الاستثمار في البلاد وهروب رؤوس الأموال المحلية وعدم رغبة رؤوس الأموال الأجنبية بالاستثمار داخل سورية، إذ لا توجد رؤية استراتيجية واضحة للمرحلة القادمة، ولا تبذل الجهود الحقيقية الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال من خلال الحوكمة ومكافحة الفساد وغيرها من الإجراءات، بالتالي يمكن القول: إن هذا المشروع لا يرقى إلى تحديات المرحلة الراهنة والقادمة، وأقل ما يمكن القول عنه: إنه قانون ضمان وحماية لمستثمرين جدد أكثر من كونه قانون تشجيع استثمار.

تشرين

اقرأ أيضا

تأجير شهادات الصيدلة مستمر بلا رقيب وأخطاء طبية بالجملة والنفي سيد الموقف!

سينسيريا-ميس بركات