الشريط الاقتصادي
الرئيسية / اقتصادوفوبيا / قواعدُ العمل الأربعون

قواعدُ العمل الأربعون

 

سينسيريا-علي محمود جديد

يتوقّع الكثيرون بأنَّ ما تعرّضت له سورية من أحداثٍ وجراحاتٍ وآلام، خلال تصدّيها لهذه الهجمة الإرهابية العالمية، والتي فاقت التوقعات كلها، ومختلف أصناف الخيال، ستُحدث تغيّراتٍ عديدة، وعلى مستوياتٍ مختلفة، تكون ذات أثرٍ واضح على المجتمع، وهي – حتى الآن – مُرشّحة لأن تكون ذات أثرٍ بليغ، سلبي – ربما – أو قد يكون الأثر إيجابياً، وذلك تبعاً لطريقة التعاطي مع هذه الآثار، أو – إن صحّ التعبير – تبعاً لإدارة هذه الآثار، وأخذها على محمل الجد، والتعامل معها بالشكل الذي يضمن كفكفة الجراح، وتهدئة الخواطر وتخفيف الآلام، ووضع الأشياء في مواضعها، والبحث دائماً عن احتياجات الناس الموضوعية، وتلبيتها، دون انتظارٍ حتى تتفاقم الأمور حول هذه القضية أو تلك، ولاسيما لتلك القضايا التي يكون حلّها في متناول اليد.
القضايا كثيرة بطبيعة الحال، ولكن يبقى هناك قضايا ذهبيّة بطبيعتها، ما أن تُحلّ حتى تجرّ وراءها حلولاً لعشرات، وربما لمئات القضايا الأخرى، ولعلّ أبرز هذه القضايا الذهبية، التي كانت وستبقى طافية على السطح، هي قضية البطالة، والبحث المستميت، بل والمُذلّ أحياناً، عن عمل، فلا تزال الوساطات، والمحسوبيات، والتلطّي وراء هذا المسؤول، وذاك النّافذ، هي الحدود الفاصلة، التي تُمكّن الشخص غالباً من ضمان فرصة عمله، وهي الضوء الأخضر، القادر على أن يُبهر أكثر من كل الكفاءات، ومختلف القدرات والإمكانات، مهما بلغت، وأثبتت جدارتها.
في الحقيقة، هذه الحالة تُشكّلُ عاملاً ضاغطاً، عند مختلف شرائح الشباب، المهيّئة للدخول إلى سوق العمل، عبر طريقٍ طبيعي، من المُفترض أن يسلكوه بيُسرٍ وسلاسة، باتجاه ذلك السوق، ولكن تلك الشرائح تصطدم بذلك الجدار الشاهق، الذي يمنعها من تحقيق طموحاتها، ويتركها نهباً للانتظار والإحباط، تواجه عواصف البطالة والضياع.
لقد آنَ لهذا الجدار أن ينهار، ليتمكن الشباب من متابعة طريقهم، وبدون عوائق، ويرسمون بأنفسهم المستقبل الذي يتمنّون، ويضعون إمكاناتهم وقدراتهم وجهودهم، في خدمة هذا الوطن الذي يحتاجهم، ويتوق لطاقاتهم المهدورة غالباً .. !
والشيء الذي يلفحُ قلوب الشباب بحرقة، هو أنّ دستور الجمهورية العربية السورية، لا يعتبر العمل حقاً من حقوق المواطن وحسب، وإنما يعتبره حقاً .. وواجباً عليه، فالمادة ( الأربعون ) من الدستور تقول :
1- العمل حق لكل مواطن، وواجب عليه، وتعمل الدولة على توفيره لجميع المواطنين، ويتولى القانون تنظيم العمل وشروطه وحقوق العمال.
2- لكل عامل أجر عادل، حسب نوعية العمل ومردوده، على أن لا يقل عن الحد الأدنى للأجور، الذي يضمن متطلبات الحياة المعيشية وتغيُرها.
3 – تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعمال.
في الواقع من المؤسف القول أنّ هذه المادة ( الأربعون ) وعلى الرغم من روعتها، ومن أنها تُشكّل علاجاً حقيقيّاً لآفة البطالة في المجتمع، ودواءً فعّالاً لانخفاض مستوى المعيشة، والتضخّم الذي يرهقنا في هذه الأيام، وارتفاع الأسعار الذي يكوينا، على الرغم من ذلك فهي ليست – في بنودها الثلاثة – أكثر من دليلٍ فاقع، على ضرورة إعادة النظر بطرائق إيصال الشباب إلى سوق العمل، وتعبيد الطرق أمامهم بشتى الوسائل، لا ليمارسوا حقهم في العمل فقط، بل ليؤدوا واجبهم تجاه وطنهم، في ممارسة العمل أيضاً.
وكذلك ضرورة إعادة النظر بالأجور أيضاً، لترتقي إلى مستوى الحدّ الأدنى الذي أقرّه الدستور على الأقل، بأن تكون أجوراً ضامنة لتأمين متطلبات الحياة المعيشية وتغيّرها، وكلنا اليوم يقاسي ويعاني الأمرّين، من الأجور الزهيدة التي لا تستطيع الصمود للحظات، أمام المتطلبات الباهظة للحياة المعيشيّة، وتغيّراتها الساحقة في هذه الأيام .
أما بالنسبة للضمان الاجتماعي والصحي للعمال، ففي الحقيقة ما يزال ضماناً هشّاً، وبمنتهى التواضع.
نعتقد أنّ تحقيق مضمون هذه المادة الراقية والرائعة ( الأربعون ) من الدستور، ليس بالمعجزة، ولا من ضروب الخيال، بل على العكس، إنه لأمر ممكن، عندما نهتمّ جيداً، ونُقرر أن تجري إدارته بشكلٍ سليم، ونتعاطى معه باهتمامٍ وجديّة.

اقرأ أيضا

هيئة مكافحة غسل الأموال تُحدّث القائمة المحلية للإرهاب…وهذه أسماء من خرج وبقى في قائمة من دعم الإرهاب في سورية!

  سينسيريا- علي محمود جديد قامت هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب – لجنة تجميد ...

error: نعتذر ... لايمكن نسخ النص