الرئيسية / الأرشيف الاقتصادي / إعادة إعمار / مشروع تنظيم اقتصاد الظل متوقف منذ أربع سنوات
حرفة يدوية

مشروع تنظيم اقتصاد الظل متوقف منذ أربع سنوات

رغم عدم وجود تعريف دقيق و محدد له من حيث الهدف و الآلية و الإجراءات , يزداد اقتصاد الظل انتشاراً وفاعلية ولاسيما في السنوات القليلة الماضية لتشير معظم الإحصاءات, القديمة منها و الجديدة إلى بلوغ نسبة مساهمة ذلك الاقتصاد 42 % من حجم الاقتصاد الحقيقي, والمثير للجدل و التساؤل أن تلك النسبة غير دقيقة وفقاً لآراء من التقتهم «تشرين» لكنهم أجمعوا على أنها نسبة تقارب الواقع إلى حد ما, علماً أن النسبة المذكورة تؤكدها الدراسات و البحوث الاقتصادية التي تناولت اقتصاد الظل قبل الأزمة و حتى عامها الثاني, في حين غابت الإحصائيات الدقيقة فيما بعد ذلك بسبب الظروف الراهنة, و ربما يغيب الدليل في عالم الإحصائيات ليرى النور في عالم الواقع, إذ لا يمكن لعاقل بمكان أن ينسف وجود ذلك الاقتصاد أو يدّعي ثبات نسبته المذكورة حتى يومنا هذا, ولاسيما في ظل ما نراه خلال جولة قصيرة في أي شارع أو سوق لعدد هائل من مكونات ذلك الاقتصاد بدءاً من البسطات إلى دكاكين وورش غير مسجلة هنا و هناك, ناهيك بانضمام عدد لا يستهان به من عمال و معامل إلى العمل في الظل بعد أن  كانت مسجلة لكنها تعرضت للتخريب و التدمير و تهجير عمالها بسبب الإرهاب, و الأدلة على ذلك كثيرة تنطق بها معامل حرستا و دوما في ريف دمشق و غيرها من المحافظات التي تعرضت لأعمال التخريب والدمار من قبل العصابات الإرهابية وداعميها.
 أين المشكلة؟
معظم الخبراء الاقتصاديين ممن  التقتهم «تشرين» أجمعوا على أن المشكلة  ليست في وجود ذلك الاقتصاد في ظل الظروف الراهنة, بل  في عدم تنظيمه, فعلى الرغم من أنه استطاع أن يكون حاملاً فعالاً للاقتصاد الوطني في ظل الضغوط الاقتصادية و الأوضاع المعيشية الصعبة لكنه يبقى حالة سلبية, فهو اقتصاد لا يخضع للرقابة الحكومية و لا تدخل مدخلاته و مخرجاته في الحسابات المالية ولا يعترف بالتشريعات الصادرة, ولذا يعتمد السرية في عمله شراءً و بيعاً و عملاً، ما يجعله بعيداً عن أعين الرقابة و لا يمسك بدفاتر نظامية, و ما يزيده خطورة أنه يتهرب من كل الاستحقاقات المترتبة عليه تجاه الدولة سواء أكانت رسوماً أم خططاً أم تقديم بيانات و يستفيد من أغلب الخدمات المقدمة لغيره من القطاعات و بكل أشكالها , ليبقى في نهاية المطاف اقتصاداً مستهلكاً للخدمات المقدمة من الدولة و لا يساهم في خزينتها.
أسباب الانتشار
إضافة إلى ما سبق أوضح  المستشار الاقتصادي في رئاسة مجلس الوزراء الدكتور عبد القادر عزوز لـ «تشرين» أن أبرز أسباب انتشار اقتصاد الظل في سورية يعود إلى ضعف معدل النمو الاقتصادي ولاسيما في سنوات الحرب الجائرة و تالياً عدم قدرة الاقتصاد الوطني على إيجاد  فرص عمل للقادمين إلى سوق العمل حيث يجب أن يكون معدل النمو الاقتصادي يعادل ثلاثة أمثال معدل النمو السكاني على الأقل أي ألا يقل عن 7%, لكن لسان الواقع ينطق بزيادة نسبة القادمين إلى  سوق العمل و خاصة في ظل الظروف المعيشية الراهنة و ارتفاع الأسعار و  انخفاض مستوى الدخل و ارتفاع معدل الإعالة بسبب البطالة  إضافة إلى فقدان الكثير من أرباب العمل أماكن عملهم نتيجة الحرب الكونية على كل مفاصل الحياة التي أفرزت حالة كبيرة من الركود الاقتصادي في المجتمع و خاصة في الأرياف تبعه شلل اقتصادي في المناطق التي تتواجد فيها المجموعات الإرهابية المسلحة, تضاف إليه حالات التهجير إلى المدن الآمنة ما سبب تضحماً سكانياً كبيراً فيها و انتشاراً واسعاً للمخالفات و بيوت الصفيح في ظل ضعف  القطاعات الاقتصادية الأخرى على استيعاب و استخدام هؤلاء القادمين…  و أضاف د. عزوز أن أبرز أسباب انتشار الاقتصاد غير الرسمي (الظل) أيضاً هو التوجه نحو الاعتماد على كثافة رأس المال بدلاً من كثافة اليد العاملة و عدم مواكبة القوة العاملة للتطورات التكنولوجية و استيعابها في ظل تراجع القطاع الحكومي عن استيعاب اليد العاملة و عدم التوسع الأفقي و ضغط الموازنة الاستثمارية في القطاع العام, إضافةً إلى تواضع الأرقام الموظفة في القطاع الخاص الزراعي و الصناعي  إذا ما قورنت بحجم اليد العاملة القادمة إلى سوق العمل سنوياً، ناهيك بميل القطاع الخاص إلى زيادة الأرباح على حساب القيمة المضافة أي تقليل نسبة الرواتب و الأجور ما أدى إلى الاستغناء عن تعيين عمال جدد وازدياد حجم البطالة… و أشار د. عزوز إلى أن  زيادة عدد العاملين في الاقتصاد غير الرسمي مرتبطة بطبيعة و هيكلية الاقتصاد و هذا يحتاج إلى ضخ الكثير من الاستثمارات في نسيج الاقتصاد و خاصة قطاع الإنتاج الزراعي و الصناعي لتزداد الموازنة الاستثمارية على حساب الموازنة الجارية وهذا ما نأمل تحقيقه  في المستقبل القريب وعند البدء بعملية إعادة الإعمار.
فوائد ومضار
أما على صعيد الآثار الاقتصادية لاقتصاد الظل فقد بيّن المحلل الاقتصادي الدكتور حيان سلمان «لتشرين» أن لاقتصاد الظل بعض الفوائد حيث استطاع، ولاسيما في ظل الظروف الراهنة، أن يسد حاجة العديد من الباحثين عن عمل, وساهم في تأمين نوع من الاكتفاء الذاتي لبعض المواد و الاحتياجات بطريقة أو بأخرى, لكن في المقابل جميع العاملين في هذا القطاع لا يساهمون نهائياً في الضرائب  رغم استفادتهم من كل الخدمات المقدمة للقطاعات المنظمة من (مياه و كهرباء و تعليم و صحة)  و ذلك يؤدي إلى زيادة العبء الضريبي على العاملين في القطاع النظامي و تالياً يؤدي إلى مزيد من التهرب الضريبي,  و أضاف د. سلمان أن زيادة حجم اقتصاد الظل يؤدي إلى  زيادة حجم الإنفاق العام و زيادة الموازنات و تالياً المزيد من ضغوطات اقتصادية على العاملين في القطاع العام، إضافة إلى قدرة ذلك الاقتصاد على تضليل البيانات و المعلومات اللازمة عند إعداد الخطط السنوية المتعلقة بمعدلات البطالة و التضخم و الإعالة و الكتلة النقدية , حيث من المعروف أنه بقدر ما تكون المعلومات دقيقة تكون القرارات الاقتصادية  صائبة و واقعية ، مع ما يترتب على ذلك من الآثار السلبية  في مجال الصناعة و التجارة و ذلك من خلال قدرة العاملين في ذلك الاقتصاد على تأمين سلع بأسعار أقل من أسعار السلع النظامية نتيجة انخفاض تكلفتها لجهة المواد الأولية و الأجور، و هذا يكرس السلعة الرديئة تطرد السلعة الجيدة من السوق, إضافة إلى أن انتشار اقتصاد الظل يؤثر في استخدام الموارد المحلية فيصبح استخدامها مشوهاً من خلال استهلاكها للاستخدام الشخصي أو الصناعي و خاصة في ظل توافر السيولة النقدية.
أفق منشود للحل
في سياق المعالجة لظاهرة اقتصاد الظل أجمع كل من د. عزوز و د. سلمان  على أن المعالجة تنطلق من معالجة الأسباب و عليه لا بد من الاعتراف بأن الاقتصاد غير الرسمي يوجد جنباً إلى جنب مع الاقتصاد الرسمي و يكاد يكون مكملاً و منافساً له وهنا لا بد من التوجه نحو زيادة معدلات النمو لتساعد في توسيع القطاع المنظم ليحل تدريجياً محل القطاع غير الرسمي, وذلك من خلال منح القروض التشغيلية للعاملين في ذلك الاقتصاد كخطوة أولى  لتنظيم عملهم من جهة و حمايتهم من اللجوء  إلى التجار و السماسرة من جهة أخرى، إضافة إلى تأسيس الجمعيات التعاونية للعاملين لذوي الأعمال الفردية و الصغيرة من الباعة المتجولين و تجار الشنتة و الميكانيكيين و غيرهم, عدا عن ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية أمام انتقال ذلك القطاع إلى الجانب الرسمي ولاسيما الشركات العائلية و المنشآت الموجودة في مناطق المخالفات و السكن العشوائي و تقليل الروتين مثل التراخيص الإدارية و الإجراءات المالية و التجارية.. وأضاف د. عزوز أن معالجة اقتصاد الظل تتم من خلال العمل على إدماجه مع الاقتصاد المنظم من خلال رؤية إصلاحية تتعلق بالتشريع الضريبي يتزامن مع إصلاحات قانون العمل و منح التراخيص و القروض التشغيلية.
تنظيم المنشآت المتضررة
رئيس اتحاد المصدرين محمد السواح أكد لـ «تشرين» عدم وجود إحصائيات دقيقة لحجم اقتصاد الظل في ظل الوضع الراهن لكن من المؤكد أن حجمه ازداد بشكل كبير ولاسيما بعد خروج العديد من المنشآت الصناعية و الزراعية  عن العمل بسبب الاعتداءات الإرهابية في حلب و ريف دمشق و غيرهما من المناطق التي كانت عصب الاقتصاد, و عدا عن ذلك فإن جزءاً من تلك المنشآت عاد للعمل في المناطق الآمنة ولكن من دون تنظيم لتتسع بذلك قاعدة اقتصاد الظل, وعليه، أضاف السواح، أن البدء بتنظيم ذلك الاقتصاد يجب أن ينطلق من إعادة تنظيم المنشآت المتضررة كمرحلة أولى ثم يتم العمل على تنظيم البقية مشدداً على ضرورة أن يتم ذلك من خلال خطوات تشجيعية للعاملين في اقتصاد الظل و ليس العقاب بقرارات جائرة.
فترة سماح  
غياب الإحصائيات الدقيقة أمر أكده أيضاً  مدير مشروع اقتصاد الظل أسامة البارد كاشفاً لتشرين عن توقف ذلك المشروع منذ أواخر عام 2012 نتيجة الظروف الحالية, وذلك بعد أن وصل المشروع إلى مرحلة المسح الإحصائي للمهن العشوائية التي تحتاج إلى تنظيم و ترخيص بشكل نظامي ضمن قانون معين, و لكن الأزمة عطلت المشروع إذ لا يمكن إعداد مسح ميداني حقيقي في هذه الظروف لأن النتائج حتماً ستكون مشوهة, مضيفاً أنه لا يمكن إعطاء نسبة أو رقم ولو بشكل تقريبي, وعن إمكانية إعادة إحياء المشروع رد البارد بأن لا بوادر تلوح في الأفق بسبب صعوبة إعداد خط بياني للمنشآت و العاملين  تحت إطار اقتصاد الظل.

المصدر تشرين

اقرأ أيضا

560-1

يازجي: 2017 سيكون عاما للاستثمار السياحي

بين وزير السياحة بشر يازجي أن مجموعة دعم الريف تعمل لإعداد المقترحات اللازمة لتنمية الري ...

error: نعتذر ... لايمكن نسخ النص